قضية غزة في مهب الاستثمار

29 مشاهدة

لم تعد غزة تُقرأ بوصفها جرحاً مفتوحاً في جسد العدالة، بل كأرض فارغة في دفاتر المستثمرين. لم تعد أسماء الشهداء تُكتب، بل تُمحى لتحلّ مكانها مصطلحات باردة من قبيل: التنمية، والازدهار، والفرص، والواجهات البحرية. هكذا تتحول القضية من سؤال عدالة إلى مسألة جدوى، ومن مأساة إنسانية إلى معادلة ربح وخسارة. وبقسوة محسوبة، تُنزع عن غزة صفتها بوصفها قضية شعب، وتُعاد صياغتها بوصفها مشروعاً استثمارياً.

هذه العملية لا تُدار في العلن، بل خلف اللغة نفسها. تجري كما تُجرى الجراحة الباردة: مشرط نظيف، وقفازات معقمة، ولا دم على الطاولة. لكن ما يُستأصل هنا ليس ورماً، بل الصوت. وما يُترك ليس الحياة، بل الشكل القابل للعرض والتسويق.

اللغة، في هذا السياق، ليست بريئة. فهي، مرة أخرى، في قلب المعركة. وحين يُستبدل الحق بمفهوم الازدهار، نكون أمام انقلاب قيمي؛ فالحق غير قابل للمساومة، بينما الازدهار مشروط وانتقائي ومتاح لمن يقبل قواعد اللعبة. عندها تصبح الحرية بنداً زائداً، ويغدو الاحتلال تفصيلاً إدارياً يمكن تجاوزه بخطة أعمال.

بقسوة محسوبة، تُنزع عن غزة صفتها بوصفها قضية شعب، وتُعاد صياغتها بوصفها مشروعاً استثمارياً

يُعاد تعريف الفلسطيني بوصفه مستفيداً محتملاً لا صاحب حق. يُنزع عنه موقعه كذات سياسية، ويُعاد إنتاجه كموضوع إداري. وهذا التحول من الذات إلى الموضوع يمثل جوهر العنف الحديث؛ عنف لا يصرخ، بل ينظم. لا يقتل الجسد مباشرة، بل يفرغه من معناه. وهكذا تغدو الذاكرة عبئاً معرفياً، ويُنظر إلى الحق بوصفه عائقاً أمام الحلول المقترحة.

في هذه المقاربة، لا مكان للفلسطيني إلا بوصفه رقماً قابلاً للإزاحة. لا ذكر للاسم، ولا للاجئ، ولا للأرض المسلوبة. فغزة، في النص الجديد، ليست مدينة محاصرة، بل قطعة أرض واعدة؛ وليست مقبرة مفتوحة، بل واجهة بحرية جذابة. وحتى الألم يُعاد تدويره ليصبح مادة ترويجية؛ فمن تحت الركام يمكن أن تولد الفنادق، ومن فوق المقابر يمكن أن تُبنى المشاريع الترفيهية.

ما يُقدَّم بوصفه براغماتية ليس سوى شكل من أشكال العنف الناعم؛ عنف لا يحتاج إلى دبابة، بل إلى قاموس. عنف يمارس الإلغاء

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح