قضية شعب الجنوب والأمن القومي السعودي

ثمة سؤالٌ أكبر من المعركة ذاتها يفرض نفسه اليوم على المشهد الجنوبي واليمني والإقليمي برمّته، سؤالٌ لا يحتمل التأجيل ولا يقبل التمويه ولا يستكين للتفسيرات الجاهزة التي طالما روّجتها دهاليز السياسة ومساومات المصالح الضيقة: وهي متى تصبح عدالة قضية شعب الجنوب - تلك القضية السياسية الوجودية والوطنية العميقة المتمثلة في استعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة- مهدِّدةً للأمن القومي السعودي بقوات جنوبية أنشئت تحت رعاية الرياض نفسها وصيغت عقيدتها القتالية في خنادق التحالف العربي، بينما لا تشكّل المليشيات الحوثية المتمردة والمصنفة بالإرهابية التي تسعى الرياض جاهدةً إلى تسويةٍ معها ذلك التهديدَ الموجب للردع والحسم؟ ومن ذلك الكيان الإقليمي الذي يختزل لنفسه حق تعريف العدالة لقضية شعبٍ كاملٍ والتهديد الأمني في وجوده على جغرافياه الممتدة من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا؟ ولماذا يتغيّر هذا التعريف تغيّرًا مراوغًا بتغيّر الجغرافيا والتحالفات، حتى غدا الأمن القومي السعودي مفهومًا مطاطًا يُفسَّر في حضرموت بتفسيرٍ غير تفسيره في صعدة، ويُقرأ في المهرة بقراءةٍ غير قراءته في حدود الجوف؟
إن التوصيف السعودي لعدالة قضية شعب الجنوب بأنها قضيةٌ تاريخية ذات أبعاد اجتماعية ليس توصيفًا بريئًا ولا اجتهادًا يخلو من خبث ومكر في قاموس السياسة، بل هو -في جوهره- انتقاصٌ ممنهج من المشروع التحرري الجنوبي العربي وإفراغٌ له من مضمونه الوجودي الذي يتجاوز المطالب الحقوقية والاجتماعية والتاريخية إلى جوهر الصراع على الدولة والهوية والسيادة في الجنوب العربي. فعندما تصف الرياض قضية شعب الجنوب بأنها قضية تاريخية فهي تدفع بها دفعًا إلى متاحف الماضي وإلى أدراج القضايا التي يجب أن يُعاد النظر في جذرها الاعتباري على نيل استقلالها الذي نالته في 1967م، وكأن هذه الهوية لدولة الجنوب لم تكن معبّرةً تعبيرًا قانونيًّا وسياسيًّا وسياديًّا عن الحدود الجغرافية الممتدة من أقصى الشرق إلى باب المندب في أقصى الغرب، بل وكأن ثمة محافظات جنوبية لم تأخذ حقها الاختياري في التوحيد ضمن حدود الدولة الجنوبية آنذاك، وكأن الأمر قد فُرض عليها فرضًا بقوة الفصيل الذي استقل بتمثيل الدولة لحظة الاعتراف
ارسال الخبر الى: