قشور السياسة وسلطة الوعي كتب كمال صلاح الديني

ليست السياسة دائماً ذلك الصخب الذي يملأ الشوارع والمنصات والخطابات الحماسية، بل هي في كثير من الأحيان شبكة معقدة من المصالح والقوى والخطابات التي تُدار بصمت خلف العناوين الكبرى ، ولهذا فإن أخطر ما قد تواجهه المجتمعات ليس مجرد اختلاف الآراء، بل تحوّل الناس إلى جماهير تُقاد بالانفعال بدل الوعي، وتتحرك بالشعارات أكثر مما تتحرك بالعقل....
فالأزمات المصيرية لا تبدأ عادة بقرار مفاجئ، بل تبدأ حين يتراجع التفكير النقدي، ويُستبدل الحوار العقلاني بحالة من التعبئة العاطفية التي تدفع الناس إلى الاكتفاء بما يمكن تسميته بـ”قشور السياسة” أي التفاعل مع الشعارات والرموز السطحية دون فهم البنية العميقة للقوة والمصالح والتحولات...
ومن هنا تبدو خطورة الخطاب السياسي حين يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي لا مجرد وسيلة للتعبير عنه ، وهنا يستحضرنا فكر ميشيل فوكو الذي لم ينظر إلى السلطة بوصفها مجرد حاكم أو مؤسسة أو قوة عسكرية، بل باعتبارها شبكة متغلغلة في اللغة والإعلام والتعليم والخطاب الجمعي ، فالسلطة لا تعمل فقط بالقمع بل عبر تشكيل ما يعتقد الناس أنه “الحقيقة”...
وأخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تمنع الناس من الكلام بل تلك التي تجعلهم يرددون الخطاب ذاته وهم يظنون أنهم يمارسون حريتهم...
لهذا تصبح الشعارات المرتفعة حين تنفصل عن الإدراك العميق، قوة خطيرة قد تدفع المجتمعات نحو الكارثة وهي تتوهم أنها تسير نحو الخلاص... فالجماهير المعبأة بالعاطفة يمكن أن تتحول بسهولة إلى وقود لصراعات أكبر منها، خصوصاً عندما تُختزل القضايا المعقدة إلى ثنائيات حادة من قبيل: “خيانة ووطنية”، أو “حق مطلق وباطل مطلق”، بينما الواقع السياسي أكثر تشابكاً وتعقيداً من هذه الصور المبسطة...
لقد أثبت التاريخ مراراً أن الأمم التي لا تتعلم من ماضيها تبقى أسيرة لتكرار أخطائه ، وكم من شعوب اندفعت خلف الخطابات الحماسية، ثم اكتشفت متأخرة أنها كانت تتحرك داخل لعبة أكبر من قدرتها على الفهم وكم من مشاريع رفعت شعارات التحرر والعدالة لكنها انتهت إلى إعادة إنتاج أشكال جديدة من السيطرة و الاستبداد...
إن الوعي السياسي
ارسال الخبر الى: