قراءة في مشاهد سعودية متناقضة ضد إرادة شعب الجنوب

تشكل قضية شعب الجنوب العربي واحدة من أكثر الملفات تعقيداً على الساحة العربية، حيث تتقاطع فيها حسابات الجغرافيا السياسية مع صراعات الهوية، وتتصارع فيها الإرادات المحلية مع الأجندات الإقليمية. ومنذ انطلاق عاصفة الحزم في مارس 2015، ظل الجنوب العربي مسرحاً لتناقضات حادة بين إنجازات ميدانية لا تُنكر، وسياسات إقصاء ممنهجة تمارسها المملكة السعودية، وتعمل جاهدة لإجهاض أي مشروع جنوبي قادر على تحويل النصر العسكري إلى مكاسب سياسية. هذا المقال التحليلي يأتي ليقرأ في ثلاث مشاهد أساسية، متتبعاً مسار الصراع من التحرير إلى المواجهة المفتوحة، وكاشفاً النمط السعودي الثابت في معاداة كل إنجاز جنوبي، من إزاحة القيادات إلى شن الحروب الشاملة.
المشهد رقم 1 التحرير العسكري من الحوثي وردّة الفعل السعودي الإقصائية
عندما انطلقت العمليات العسكرية بقيادة التحالف العربي وبمشاركة مباشرة من قوات المقاومة الجنوبية، تمكن الجنوبيون من استعادة كامل أراضيهم تقريباً بحلول صيف 2016، باستثناء بقعة محدودة في مديرية مكيراس بمحافظة البيضاء.
كانت تلك الانتصارات ثمرة تضحيات جسيمة قدمها أبناء الجنوب، الذين خاضوا أشرس المعارك ضد الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران، وقدموا آلاف الشهداء والجرحى في سبيل استعادة الأرض والكرامة. لكن الإشكالية التي طبعت هذه المرحلة أن النجاح العسكري الجنوبي قوبل بسعي ممنهج من قبل السعودية وبالتنسيق مع النخب الاخوانية لإعادة هيكلة المشهد السياسي بما يضمن تهميش القيادات الجنوبية واستبعادها من صنع القرار، على الرغم من أنها كانت صاحبة الفضل الأول في التحرير.
ولم تقتصر حملة الإقصاء على المستويات المحلية أو الوزارية، بل طالت أعلى المناصب الدستورية حين تمت إزاحة ناصر بحاح، نائب الرئيس آنذاك، من منصبه واستبداله بعلي محسن الأحمر في أبريل 2016. تمثل هذه الخطوة نقطة تحول كبرى، لأنها استهدفت شخصية جنوبية كانت تشغل موقعاً مفصلياً في مؤسسة الرئاسة، وكانت تمثل صوتاً معتدلاً يمكنه الدفاع عن الحقوق الجنوبية داخل أروقة القرار المركزي. وقد حملت هذه الإزاحة رسالة واضحة بأن الرياض لا تريد أي حضور جنوبي فاعل في المستويات العليا، وأنها مستعدة لتجاوز حتى الاعتبارات الدستورية والشرعية من أجل
ارسال الخبر الى: