قراءة في طالع التعساء
أتأمل التعساء من بعيد، وأخافهم أيضاً، وأتحاشاهم، وأفرّ منهم إن لزم الأمر، حتى وإن لم أعرفهم، وفقط قرأت هامش تعاستهم في بعض تصرفاتهم، أو من خلال ملامحهم، أو مبالغاتهم في إظهار التعاسة، وأحياناً الاستعراض بها.
وإذا دخل الأمر مجال الاستعراض أدرك أن التعاسة قد دخلت إلى طور الهشاشة التي تؤهلها للأذى في أي وقت بمجرّد الاقتراب، وذلك إلا تعيس المصادفة، لأن هذا النوع من التعساء يتجاوز محنته، حتى إن طالت تعاسته في بحار الدنيا وجارت عليه، ولكن كل الخوف ممن امتهنها وصار خبيراً في إدارة مركب تعاسته بمهارة بحّار محترف، وذلك كواجهة للشخصية أو بديلاً عنها.
أحسّ أن غالبية هؤلاء التعساء، وفي قرارة أنفسهم، قد اختاروا جهة ما، محدّدة أو حتى غامضة، باعتبارها السبب الأصلي لذلك البلاء الذي طاولهم، وأحياناً يلقي التعيس بسبب البلاء على أخٍ له صار محبوباً لهم، سواء أكان الأخ هو الكبير أو حتى الصغير، ويظل هذا الأخ موضع كراهية دائمة لذلك التعيس حتى إن مات وشبع موتاً.
هل أدرك هؤلاء مثلاً، بالفعل أن الحظوظ قد تجاوزتهم، فعلّقوا قلادة التعاسة تلك على صدورهم مخافة التفريط في ذلك المنقذ الأخير لهم، ألا وهي سيماء التعاسة، فنصبوها كالشباك لحياتهم... أحياناً يكون لهؤلاء التعساء من الأولاد من هم في غاية الجمال والهمّة والأدب أيضاً، فأرى الأب التعيس، وفي يده خشبة، ويجلس أمام دكان الابن منذ الصباح بتلك الخشبة أو الأخشاب التي جمعها من الطريق، كي يطالبه بثمن السجائر، وتلك سهلة جداً، أما ما لم يكن يجول بخاطري أبداً، أن يأتي التعيس للابن كي يشكو له من الأم التي تركها منذ سنوات طويلة، واختار لنفسه غرفتين من طين وبوص بالقرب من الجبل، واكتفى ببراد الشاي والخشب وعلبتي سجائر من مال الولد المؤدّب.
يضحك الابن الجميل، صاحب الهمة والأدب، ويناوله ثمن العلبتين للأسبوعين القادمين، ويأخذ الأب بقايا خشبه، ويعود بالقرب من الجبل، ويمشي يهمهم في الطرقات وكأنه يقول للناس: عليكم أن تبحثوا عمن تسبب لي في ذلك، ولا يلقي أي تحية على
ارسال الخبر الى: