قتال من المسافة صفر في السودان حرب غير مألوفة في كردفان ودارفور
230 مشاهدة
في خضم الحرب المشتعلة منذ إبريل نيسان 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بات السودان ذو التاريخ المليء بالحروب الأهلية يشهد نوعا جديدا وغير مألوف من المعارك العسكرية التي يتصادم فيها المقاتلون في ميدان المعركة وجها لوجه حتى النصر أو الهزيمة في اشتباكات ضارية تتركز هذه الأيام في إقليمي كردفان وسط البلاد ودارفور غربا حيث المعقل الرئيسي لـالدعم السريع آخر تلك المعارك في السودان وقعت خلال اليومين الماضيين في منطقتي أم صميمة وأبو قعود بالقرب من مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان وفي مدينة الفاشر المحاصرة بولاية شمال دارفور ويخوض الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان والدعم السريع التي كانت تمثل أكبر وحداته البرية بقيادة محمد حمدان دقلو حميدتي صراعا عسكريا منذ 15 إبريل 2023 شمل معظم ولايات البلاد قبل أن ينحسر تمدد الدعم نتيجة تقدم متواصل للجيش والقوات المساندة له خصوصا مع استعادته الخرطوم ربيع العام الحالي وتتركز المعارك اليوم بصورة أساسية في وسط البلاد وغربها اعتماد على الحركات المسلحة وفي إقليم كردفان الذي يتكون من ثلاث ولايات هي شمال كردفان وجنوبه وغربه تنخرط وحدات من الجيش مدعومة بـفيلق البراء بن مالك شبه عسكرية إسلامية والقوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح موقعة على سلام مع الحكومة وقوات شعبية مساندة في معارك ضارية ضد قوات الدعم السريع المدعومة بمقاتلين مرتزقة من كولومبيا وجنوب السودان خصوصا بحسب ما أكدت الحكومة السودانية أخيرا وتخوض القوات ذاتها معارك أخرى مشابهة في مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور إذ تسيطر الدعم منذ الأشهر الأولى للحرب على أربع من جملة خمس ولايات في إقليم دارفور وهي جنوب دارفور وغرب دارفور وشرق دارفور ووسط دارفور وتسعى حثيثا للسيطرة على الفاشر المحاصرة لتضع يدها على الإقليم كله يشتهر القتال بالسيارات والمطاردات بالدراجات النارية وبعد نشوب الحرب وتمرد الدعم السريع اعتمدت الحكومة في قتالها على الحركات المسلحة التي وقعت معها اتفاق سلام في 2020 إلى جانب مجموعات أخرى من المدنيين المسلحين وصار الطرفان يعتمدان أسلوب حرب العصابات وقتال السيارات وشاركت في هذه المطاردات حتى الدراجات النارية كما اشتهرت القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح والقوات الشعبية المساندة لها بخوض هذا النوع من الاشتباكات العنيفة وقريبة المسافة في صحاري وغابات السودان الممتدة وتعتمد هذه الحركات كما هو الحال بالنسبة لـالدعم السريع بشكل أساسي على استخدام سيارات من نوع تويوتا لاند كروزر بيك أب لسرعتها وقدرتها على حمل الأسلحة وتعد هذه السيارات رمزا للحرب في السودان وتستخدم على نطاق واسع من جميع الأطراف نظرا لأنها سريعة وخفيفة كما تلطخ بالطين مع قص كابينة القيادة وترك المقاعد مكشوفة بما لا يترك أي زجاج لعكس الضوء أو الشمس تفاديا للمقاتلات والطائرات المسيرة وقد انتشرت أنواع جديدة منها في السودان وهي مصفحة وبأربعة أبواب مع فتحة رشاش في السقف وبث مقاتلون من القوة المشتركة والقوة الشعبية للدفاع عن النفس المساندة لها والمعروفة اختصارا باسم قشن مقاطع فيديو لمعاركهم مع الدعم السريع خلال الأيام الماضية وقد اعتاد هؤلاء المقاتلون القيادة بسرعات كبيرة خلال المعارك لدرجة اختلاط سيارات الطرفين ببعضها ووقوع اشتباكات وجها لوجه من المسافة صفر ووصل الأمر بحسب ما رصدت العربي الجديد إلى تعمد السائقين الاصطدام بسيارات الطرف الآخر وصعودها فوق بعضها البعض في مشاهد أثارت الكثير من الاندهاش وسط السودانيين وتجري مثل هذه المعارك بصورة أساسية حاليا في إقليمي كردفان ودارفور أبعاد اجتماعية لحرب السودان ويرى المحلل السياسي صلاح مصطفى في حديث لـالعربي الجديد أن السودان لم يشهد حربا مماثلة طوال تاريخه يتصادم فيها المقاتلون بهذه الطريقة في أرض المعركة إلا في الحرب التي خاضتها جيوش الثورة المهدية ضد الاستعمار البريطاني 1881 1899 مع اختلاف نوع الأسلحة مشيرا إلى أنه حتى حرب جنوب السودان كانت تقليدية بين جيشين هما الجيش السوداني والجيش الشعبي بقيادة جونق قرنق ولم تتوسع إلى هذه الدرجة ويلفت مصطفى إلى أن الصراع الحالي ليس سياسيا فحسب بل لديه أبعاد اجتماعية أيضا إذ إن معظم المقاتلين إلى جانب الجيش حاليا هم من الشباب الناقمين على مليشيا الدعم السريع خصوصا أبناء الحركات المسلحة المتحدرين من دارفور والشباب الذين قادوا الثورة ضد نظام عمر البشير إذ شاركت الدعم السريع في قتل رفاقهم والتنكيل بهم وارتكبت جريمة فض الاعتصام في 2019 لافتا إلى أنه لهذا السبب فإن البعض يصفون هذه الحرب بأنها حرب وجودية حسن إبراهيم الحركات المسلحة تفهم أسلوب الدعم القتالي وفي هذا الصدد يرى الضابط السابق في قوات الاحتياط حسن إبراهيم في حديث لـالعربي الجديد أن أسلوب حرب العصابات وضع تحديا أمام الجيوش التقليدية التي تستخدم الدبابات والآليات الثقيلة والمشاة الذين يتحركون بخطط عسكرية معقدة بينما تعتمد المجموعات شبه العسكرية والحركات المسلحة على أسلوب السرعة والاشتباك أثناء الحركة وهو الأسلوب الذي تستخدمه الدعم السريع ولذلك جرت تسميتها بهذا الاسم لتقديم الدعم للجيش سابقا والوصول إلى أرض المعركة بسرعة ويلفت إبراهيم إلى أن الحركات المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش الآن مثلت مشكلة لـالدعم لفهمها الأسلوب القتالي الذي تستخدمه والمعتمد على كثافة النيران وسرعة المناورة والالتفاف وهو ما تميزت به وحدات الجيش الصغيرة والقوات المساندة حيث صارت تشتبك سيارة لسيارة حتى الاصطدام وفق شرحه ويشرح الضابط السابق في قوات الاحتياط أن القتال بهذه الطريقة تحركه دوافع الإصرار على الانتصار إذ إن مقاتلي هذه الحركات والمجموعات الشعبية المسلحة ذاقوا الأمرين على يد الدعم في دارفور وكردفان عندما كانت قوة حكومية وأصبح لهم ثأر شخصي معها لذلك يشتبكون مع مقاتليها بصورة عنيفة ويقول إنه حتى المرتزقة الأجانب الذين استعانت بهم الدعم فشلوا في إحداث تفوق ميداني معربا عن اعتقاده بأن فشل قوات الدعم حتى اليوم في السيطرة على الفاشر سببه أن المدافعين عن المدينة يقاتلون بعزيمة أصحاب الأرض وليس بعقلية الغزاة المخربين كما هو الحال لدى مقاتلي الدعم