فينوس المدجنة بعين الفنان نافع بن كريش
يُروى أنه حين وصف أفلاطون الإنسان بأنه حيوان ذو رجلين بلا ريش، قرّر الفيلسوف ديوجين الكلبي أن يسخر من هذا التعريف. ذهب إلى الأكاديمية حاملاً دجاجة ريشُها منزوعٌ بالكامل، وقال لطلابه، كاشفاً سخافة بعض الأفكار الجاهزة: هذا هو إنسان أفلاطون!. في أعمال الفنان نافع بن كريش، أحد أبرز الفنانين الشباب في المشهد التشكيلي المعاصر في المغرب، تعود صورة الدجاجة، لكن لا لإعادة تعريف الإنسان، بل لكشف ما آل إليه: كائن مستغَلّ، مخدوع، ومُدجَّن. تكشف أعماله هشاشة عدد كبير من المسلّمات الفكرية التي تُستخدم لتشكيل وعي الأفراد وضبط سلوكهم، وتفضح زيف الخطابات التي تدّعي الارتقاء بالإنسان وتكريمه، بينما تسعى في الواقع إلى تحجيمه وترويضه.
منذ مشروع تخرّجه من المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، وصولاً إلى مشاركته في المعرض الجماعي المقام حالياً في رواق متحف بنك المغرب تحت عنوان جيل تطوان: رؤى جديدة، نظرات متعددة، الذي يحتفي بإبداعات خريجي المعهد بين عامَي 2015 و2025، يحضر الطائر الداجن بقوة في التجارب المتعدّدة لنافع بن كريش، على اختلاف وسائطها وانتماءاتها التشكيلية. يستند اختيار الفنان للدجاجة موضوعاً بصرياً شبه حصري، ممتداً عبر مسيرته، إلى خلفية بيوغرافية ضاربة في عمق الطفولة. فقد كان في سنواته الأولى، ثم في بدايات مراهقته، معاوناً لوالده في محلّه لتربية الدواجن وبيعها. تلك الألفة اليومية مع الطائر، محبوساً في أقفاص ضيقة، مسمَّناً ثم مذبوحاً، منزوع الريش، مقطّع الأطراف ومعلّقاً للبيع، تركت أثراً عميقاً في ذاكرة الفنان ونظرته للعالم.
في أعماله الجديدة المعروضة في رواق متحف بنك المغرب، يواصل الفنان استثمار رمزية الطائر المدجّن وما يتمتع به جسده من قابلية للتشكّل والتأويل، لمساءلة الوضع البشري الراهن. تأتي مقاربته الجمالية أكثر جرأة، مستحضرةً التشابهات المجازية بين وضع الإنسان المعاصر وحيوان المزرعة المخصَّص للذبح والاستهلاك، ومبرزةً، عبر تراكيب إيحائية، تقاطعات منطق الترويض والسيطرة، إذ يتحوّل الجسد إلى مادة للاستغلال داخل نظم سياسية واقتصادية واجتماعية تُعيد إنتاج الهيمنة في صيغ حديثة مُموّهة.
/>في لوحته فينوس، يعرض الفنان دجاجة سمينة منزوعَة الريش، بلا رأس
ارسال الخبر الى: