فيلمان جديدان تأمل في حساسيات وجودية رغم اختلاف الأمكنة
تظلّ الأفكار الباحثة في حالة الكائن البشري ووجوده هاجساً لمشتغلين كثيرين في الحقل السينمائي. عادة، يقارب مخرجوها وكتّابها موضوعاتها ومفرداتها بنتاجات تختلف، بالضرورة، أشكال معالجتها سينمائياً، لكنّها في حالات كثيرة تحافظ على الخيط الرابط بينها، خصوصاً حين تتناول حكاياتها جوانب فلسفية ووجودية مُحفّزة للتأمّل في طبيعة الإنسان وتعقيداته. لعلّ الموت والمرض والوحدة من تلك الموضوعات المُدعوّ إلى التفكير الدائم بها.
مُشاهدة يوغو فلوريدا (2025) وذباب (2026) تُظهر المشترك بين هواجس صانعيهما، للتأمّل في الحساسيات الوجودية نفسها، رغم الاختلاف المكاني الواسع لأحداث نصيهما: الأول في أوروبا والثاني في القارة اللاتينية البعيدة.
كسر ركود وعزلة
بالأسود والأبيض، ينقل المكسيكي فرناندو إيمبك (ذباب) الحالة النفسية لأولغا (تيريزيتا سانشيز)، المرأة الوحيدة المتقاعدة والحزينة والقاسية ظاهرياً. حاجتها إلى المال تدفعها إلى تأجير غرفة واحدة في شقتها الصغيرة. يستأجرها عامل بسيط، رفقة ولده كريستيان (9 سنوات). الأب (هوغو راميرز) والابن (أداء رائع لباستيان إيسكوبار) يبدوان كأنّهما مُتسلّلان خلسة إلى المكان، لا مُستأجِران إياه. على وجود المثلث البشري، يؤسّس صانعه نظرته إلى وجود الإنسان في تلك المدينة. مرض الزوجة، ووجودها في مستشفى لمعالجة الأمراض السرطانية، وحاجة الابن إلى زيارتها، تصير كلّها محوراً، حين تتكشف أسباب هجرة الأب وابنه إليها.
تبدو أحياء المدينة المكسيكية هادئة، بانتظار ما يكسر ركوداً في دواخل سكانها. وجود كريستيان مُحرّك لها. المتوقع في انقلاب مواقف المرأة من الطفل، وكسر عزلتها الداخلية، يأتيان في سياق تدرّج عاطفي، يعطي للنص حصافة ورصانة، مثلما يفتح مرض الأب فيزا (نيكولا بياكوفيتش) ووحدته، في منجز اليوغسلافي فلاديمير تاغِتش، مجازاً لرؤية عزلة أشمل، تعانيها شخصيات يوغو فلوريدا (الاسم مُشتقّ من ماركة سيارة يوغوسلافية الصنع، يملك الأب واحدة قديمة منها). علاقة الابن زوران (أندريه كوزمانوفيتش، أداء لافت في عمقه) المقطوعة بأبيه تُعاد للتواصل بفعل الحاجة. هو يريد اكتشاف كائن مبهم ومتعجرف وأناني، كما تصفه والدته المُطلقة منه، وكما يؤكّده سلوكه الحاضر. خلف الظاهر من قطيعة، هناك ما يدفع الابن إلى تحمّل ثقل أعباء رجل عاجز جسدياً، على مشارف
ارسال الخبر الى: