فيفا رهينة السياسة في النسخة الأميركية
منذ تأسيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عام 1904، تبنّت الدول الأوروبية المؤسسة للاتحاد فكرة إقامة بطولة عالمية لكرة القدم مطلع ثلاثينيات القرن المنصرم، بهدف نشر ثقافة السلام، وإشاعة التقارب بين الشعوب والدول، وتخفيف حدة التوترات الناجمة عن النزاعات في أوروبا.
وظلّت كرة القدم في الوعي الإنساني العالمي تُقدَّم بوصفها لغة السلام التي تجمع الشعوب في الوقت الذي تفرّقهم فيه السياسة، وأصبحت مقولة ما تُفسده السياسة تُصلحه الرياضة بمثابة القاعدة التي تحكم مسابقة كأس العالم لكرة القدم لعقود. لكن السنوات الأخيرة شهدت خروجاً عن هذه القاعدة، فأصبح الخيط الفاصل بين الرياضة، كقوة ناعمة لتحسين صورة الدول وجمع الخصوم في ميدان واحد، وبين المصالح السياسية والأيديولوجية، دقيقاً للغاية.
فالنسخة الأميركية الحالية من بطولة كأس العالم، والتي تجري في عالم مضطرب يشهد حروباً وأزمات (روسيا وأوكرانيا، إيران وأميركا، أزمات الشرق الأوسط، البحر الأحمر وهرمز، السودان، وأزمات الساحل الأفريقي...)، طرحت جملة من الأسئلة حول جدلية فصل الرياضة عن دهاليز السياسة والنزاعات، حتى اعتبرها البعض الدليل الأوضح على أن الفصل التام بينهما بات وهماً.
فهل ما تفسده السياسة يمكن أن تفسده الرياضة أيضاً، خاصة عندما تخضع لمنطق القوة والابتزاز والمصالح السياسية؟ وهل تتداخل الحروب والعقوبات والهجرة والاستقطابات الأيديولوجية، لتجعل من كرة القدم امتداداً للصراعات الدولية؟
بدأ جدل البطولة قبل أن تبدأ؛ فقد منعت السلطات الأميركية، وبشكل غير مسبوق، الحكم الصومالي عمر عبد القادر من دخول الولايات المتحدة، رغم اعتماده من جانب فيفا، كما قامت باحتجاز مهاجم المنتخب العراقي أيمن حسين في مطار شيكاغو والتحقيق معه لساعات، فيما رفضت منح تأشيرات دخول لآلاف المشجعين ومسؤولي المنتخبات، مثل رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، جبريل الرجوب، ووفود منتخبات السنغال وساحل العاج، فضلاً عن رفض تأشيرات لجزء من بعثة المنتخب الإيراني.
هذه الأمثلة، والتي جاءت في سياق تشدد السياسات الأميركية في ملفات الهجرة والأمن منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، عكست إلى أي مدى يمكن أن تتقدم القرارات السياسية والأمنية والتمييز العنصري على الاعتبارات الرياضية والإنسانية.
ارسال الخبر الى: