فوتوغرافيا بروس غيلدن وجوه الغرباء من المسافة صفر

76 مشاهدة
منذ أكثر من خمسة عقود يجوب المصور الأميركي بروس غيلدن Bruce Gilden شوارع المدن الكبرى متسلحا بكاميرا وعدسة واسعة ومسافة يكاد من خلالها أن يلامس وجوه الناس معرضه الجديد في فوتوغرافيسكا نيويورك Fotografiska NYC بعنوان لماذا هؤلاء Why These يقدم مختارات شخصية من أرشيفه الممتد بين عامي 1979 وحتى 2023 مختارات وصفها غيلدن نفسه بأنها الأفضل في حياته المعرض المتواصل حتى الثاني من نوفمبر تشرين الثاني المقبل وقد نسق بالتعاون مع فريق فوتوغرافيسكا ومشاركة غيلدن يكشف للزائرين جانبا من روح المصور المتمرد الذي لم يكف يوما عن البحث في الوجوه باعتبارها خرائط للحياة مليئة بالحزن والفرح والرغبة والخسارة والانتشاء والانكسار يقول غيلدن إن الصورة الجيدة في الشارع يجب أن تكون لها رائحة الشارع هذه الرائحة الحادة والقريبة والمتوترة هي ما يميز صوره ويجعلها أقرب إلى مواجهة مباشرة مع الذات والعالم فلاش بروس غيلدن المباغت يعتمد بروس غيلدن على تقنية استخدام الفلاش المباغت من مسافة قريبة ما يمنح صوره قوة صادمة ويكشف تفاصيل قد يهرب منها الآخرون تفاصيل تشكلها تجاعيد محفورة ونظرات مرتابة أو ابتسامات متكسرة هذا الأسلوب الذي جعله أشبه بطفل مشاغب في عالم التصوير الفوتوغرافي فتح له أبوابا للدخول إلى مجتمعات هامشية من عوالم المافيا في بروكلين التي نشأ بينها إلى مدن بعيدة حيث صور المهمشين والمنسيين View this post on Instagram A post shared by Fotografiska fotografiska غيلدن المولود في بروكلين عام 1946 نشأ في بيئة قاسية محاطة بالرجال الأقوياء وملامح العالم السفلي للمدينة ربما كان هذا المناخ المبكر هو ما دفعه إلى اختيار موضوعاته لاحقا هذه الوجوه التي تخفي بقدر ما تكشف والقصص التي تتوارى خلف العيون الشاردة أو النظرات المتحدية لم يكن مجرد مصور عابر بل طرفا فاعلا في المشهد يقتحم المسافة ويدخل المتفرج في قلب الموقف العنوان نفسه يحمل إجابة ضمنية ولم لا بالنسبة إلى غيلدن اختيار الأشخاص الذين يصورهم ليس سوى امتداد لطريقته في الحياة هو لا يبحث عن الوجوه الجميلة أو المثالية بل عن تلك التي تكشف شيئا دفينا وجوها لا تستطيع أن تخفي تاريخها لهذا يبدو المعرض وكأنه دعوة إلى النظر في ما نميل عادة إلى صرف البصر عنه هذه الأشياء التي يمكن أن يراها الناس في الشوارع الخلفية وفي الانكسارات اليومية أو في الإنسان وهو يواجه هشاشته في معرضه لماذا هؤلاء تتجاور صور الأبيض والأسود التي شكلت هوية غيلدن المبكرة مع أعمال ملونة حديثة تعكس تحولات الزمن وتحولاته الشخصية أيضا الأبيض والأسود يضفي على وجوهه طابعا قاسيا أشبه بما يخلفه الزمن على الحجر أما الصور الملونة فتمثل مرحلة لاحقة تعكس قدرة غيلدن على إدخال الحيوية إلى قسوته المعتادة من دون أن يفقد صدق المواجهة أو قوة الصدمة هذا المزج بين المرحلتين يكشف كيف طور غيلدن لغته البصرية ليظل معاصرا ومؤثرا من دون أن يتخلى عن روح المواجهة المباشرة التي طبعت مسيرته View this post on Instagram A post shared by Fotografiska fotografiska جانب آخر من تجربة بروس غيلدن يتجلى في عمله الشهير Only God Can Judge Me الله وحده يستطيع أن يحاكمني الذي وثق فيه وجوه النساء المدمنات اللاتي يعملن في الدعارة في أحد أحياء ميامي الفقيرة تلك التجربة لم تكن مجرد مشروع تصوير بل مواجهة شخصية مع ماضيه إذ اعترف للمرة الأولى بأن ملامح تلك النساء ذكرته بأمه التي عانت الإدمان وانتهت حياتها بالانتحار في حكايات هؤلاء النساء وجد غيلدن صدى لقصته العائلية ولصمت طويل فرضه قانون المافيا الذي تربى عليه في بروكلين التصوير هنا لم يكن مجرد ممارسة فنية بل شكلا من أشكال العلاج ومصالحة الذات احتفاء بالهشاشة طوال مسيرته تعرض بروس غيلدن لانتقادات قاسية إذ اتهمه بعض النقاد بتشييء البشر أو تحويلهم إلى عرض غرائبي لكن آخرين رأوا في عمله صدقا لا يرحم وجرأة على مواجهة واقع يخشى معظمنا النظر إليه هذا الجدل وضعه في موقع فريد داخل تاريخ التصوير الفوتوغرافي المعاصر فهو يقف على خط رفيع بين التوثيق والفن بين النقد الاجتماعي والاستفزاز الجمالي صور غيلدن ليست مريحة لكنها تجبر العين على النظر من جديد وتدفعنا إلى مواجهة ما نتجاهله عمدا معرض بروس غيلدن يبدو احتفاء بالهشاشة الإنسانية فالصور التي يقدمها سواء بالأبيض والأسود أو بالألوان تشكل ما يشبه اليوميات البصرية لعالم يعيش على الحافة وهي في الوقت نفسه مرآة لرحلة مصور لم يتوقف عن ملاحقة السؤال الأصعب حول قدرة الفوتوغرافيا أن تظهر الإنسان في أقصى حالات ضعفه وتحول هذا الضعف إلى طاقة قادرة على التأثير في الآخرين View this post on Instagram A post shared by Fotografiska Tallinn fotografiska tallinn في مجمل أعماله يركز الفوتوغرافي على كشف الطبقات غير المرئية من الواقع الحضري وغالبا ما تتحدى لقطاته التصورات الجمالية السائدة إذ لا يسعى غيلدن إلى الجمال التقليدي بل إلى الحقيقة المجردة كما يراها في الشارع تنبع قوة أعماله من جرأتها فلا يطلب الإذن في غالب الأحيان ما يخلق لحظات تصويرية تنبض بالتوتر والصدق في آن يرى أن الوجه البشري هو خريطة للحياة وكل تجعيدة أو نظرة تحمل حكاية لذلك يصبح تصويره وجها لوجه بمثابة مرآة تكشف عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي لشخصياته المفاهيم الأساسية التي يعمل عليها غيلدن تشمل الصراحة والهوية والاغتراب وأحيانا العنف الكامن في الحياة اليومية لقطاته تثير تساؤلات حول الحدود الأخلاقية للتصوير الفوتوغرافي وحدود الخصوصية وقيمة الصدق البصري وفي عالم تميل فيه الصور نحو المثالية والتصنع تأتي أعمال غيلدن تذكيرا قويا بأن الصورة يمكن أن تكون أداة صادمة ولكن أيضا ضرورية لفهم الواقع والإنسان بعمق بالنسبة إلى غيلدن الجواب يكمن في فعل المواجهة نفسه إذ يقول إذا استطاع شخص النظر إلى هذه الصور وشعر بأنه ليس وحيدا في العالم فقد أنجزت عملي

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح