فنانون أم علماء تلاشي الحدود بين مجالات الإنتاج الإنساني

26 مشاهدة

حين شرع رسامو الحملة الفرنسية في تسجيل تفاصيل الحياة في مصر أواخر القرن الثامن عشر، لم يدركوا أن ما يرسمونه سيتحول لاحقاً إلى واحد من أضخم مشاريع التوثيق في التاريخ الحديث. في صفحات وصف مصر، تظهر البلاد مثل فضاء يُفكَّك بعين مدربة، قياسات دقيقة لأحجار معابد، ورسومات لتماثيل ومومياوات ونباتات برية ومشاهد طبيعية، وأدوات عمل يومية، وملامح بشرية مرسومة بالأحبار. كانت المعلومات تُجمَع هنا بشكل مباشر، عبر العين واليد، قبل أن تُدرس تفصيلياً في ما بعد بلغة الموسوعات والعلم المنهجي. وبينما احتفظ المشروع باسمه الكبير، تلاشت أسماء كثيرة من الذين صنعوا مادته الخام، أولئك الذين اشتغلوا في منطقة رمادية بين الفن والعلم، وأسهموا في بناء معرفة لا تزال فاعلة حتى اليوم، من دون أن تُنسب إليهم بالكامل.

تكشف تجربة وصف مصر عن نمط سيتكرر لاحقاً في تاريخ المعرفة الحديثة عبر إنتاج ميداني كثيف في نمط يبتلع الأفراد لمصلحة المؤسسة أو الفكرة الأكبر. فالرسامون الذين جابوا القرى والمعابد والحقول لم يكونوا فنانين بالمعنى الجمالي الخالص، ولا علماء وفق التعريف الأكاديمي اللاحق، بل منتجي معرفة بالمعنى الحرفي للكلمة، ومع ذلك، ظل دورهم محصوراً في خانة التوثيق.

تلاشت أسماء كثيرة اشتغلت في منطقة رمادية بين الفن والعلم

بعد أكثر من نصف قرن، وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، كانت الفنانة الأميركية ماري بانينغ تعمل في عزلة شبه كاملة، تمارس شكلاً مختلفاً من إنتاج المعرفة، لكن بالأدوات نفسها تقريباً. يُعيد معرض المهمشون.. ماري باننج وعالم الفطريات المقام حالياً في متحف ولاية نيويورك، والمستمر حتى الخامس من إبريل/ نيسان المقبل، تقديم ماري بانينغ لا بوصفها فنانة هاوية، بل مشتغلة ميدانية في علم الفطريات. ولدت بانينغ عام 1822 في ولاية ماريلاند، وعاشت معظم حياتها بعيداً عن المؤسسات العلمية، ترعى أسرتها، وتجمع الفطريات، وترسمها، وتصفها بدقة لافتة. ويشير عنوان المعرض نفسه، إلى ذلك الموقع الهامشي الذي احتلته بانينغ، تماماً كما احتله رسامو وصف مصر من قبل.

تكشف رسوماتها المعروضة عن علاقة عضوية بين الرسم والمعرفة، أشكال مرسومة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح