فنانون أم علماء تلاشي الحدود بين مجالات الإنتاج الإنساني

104 مشاهدة
حين شرع رسامو الحملة الفرنسية في تسجيل تفاصيل الحياة في مصر أواخر القرن الثامن عشر لم يدركوا أن ما يرسمونه سيتحول لاحقا إلى واحد من أضخم مشاريع التوثيق في التاريخ الحديث في صفحات وصف مصر تظهر البلاد مثل فضاء يفكك بعين مدربة قياسات دقيقة لأحجار معابد ورسومات لتماثيل ومومياوات ونباتات برية ومشاهد طبيعية وأدوات عمل يومية وملامح بشرية مرسومة بالأحبار كانت المعلومات تجمع هنا بشكل مباشر عبر العين واليد قبل أن تدرس تفصيليا في ما بعد بلغة الموسوعات والعلم المنهجي وبينما احتفظ المشروع باسمه الكبير تلاشت أسماء كثيرة من الذين صنعوا مادته الخام أولئك الذين اشتغلوا في منطقة رمادية بين الفن والعلم وأسهموا في بناء معرفة لا تزال فاعلة حتى اليوم من دون أن تنسب إليهم بالكامل تكشف تجربة وصف مصر عن نمط سيتكرر لاحقا في تاريخ المعرفة الحديثة عبر إنتاج ميداني كثيف في نمط يبتلع الأفراد لمصلحة المؤسسة أو الفكرة الأكبر فالرسامون الذين جابوا القرى والمعابد والحقول لم يكونوا فنانين بالمعنى الجمالي الخالص ولا علماء وفق التعريف الأكاديمي اللاحق بل منتجي معرفة بالمعنى الحرفي للكلمة ومع ذلك ظل دورهم محصورا في خانة التوثيق تلاشت أسماء كثيرة اشتغلت في منطقة رمادية بين الفن والعلم بعد أكثر من نصف قرن وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي كانت الفنانة الأميركية ماري بانينغ تعمل في عزلة شبه كاملة تمارس شكلا مختلفا من إنتاج المعرفة لكن بالأدوات نفسها تقريبا يعيد معرض المهمشون ماري باننج وعالم الفطريات المقام حاليا في متحف ولاية نيويورك والمستمر حتى الخامس من إبريل نيسان المقبل تقديم ماري بانينغ لا بوصفها فنانة هاوية بل مشتغلة ميدانية في علم الفطريات ولدت بانينغ عام 1822 في ولاية ماريلاند وعاشت معظم حياتها بعيدا عن المؤسسات العلمية ترعى أسرتها وتجمع الفطريات وترسمها وتصفها بدقة لافتة ويشير عنوان المعرض نفسه إلى ذلك الموقع الهامشي الذي احتلته بانينغ تماما كما احتله رسامو وصف مصر من قبل تكشف رسوماتها المعروضة عن علاقة عضوية بين الرسم والمعرفة أشكال مرسومة بألوان مائية دقيقة وملاحظات مكتوبة بخط اليد ومحاولات تصنيف لأنواع لم تكن معروفة آنذاك لم تنتج بانينغ هذه الرسومات للعرض أو البيع في سوق الفن بل استعانت بها كأداة للفهم والمقارنة والتثبيت ورغم أن بانينغ كانت مستبعدة من الحقل العلمي بسبب كونها امرأة وغياب الشهادات الأكاديمية فإن مراسلاتها الطويلة مع عالم الفطريات الأميركي تشارلز بيك أسهمت في إدراج بعض اكتشافاتها في التقارير العلمية الرسمية في سبعينيات القرن التاسع عشر الأكثر دلالة أن عينات الفطريات التي جمعتها بانينغ لا تزال محفوظة حتى اليوم ويعتمد عليها باحثون معاصرون في دراساتهم لم يعترف بصاحبة العمل في حياتها لكن العمل نفسه صمد وتحول إلى أساس يبنى عليه هناك فنانون اليوم يستلهمون العلم موضوعا ويعتمدونه منهجا ما يجمع بين رسامي وصف مصر وماري بانينغ ليس الهامشية فقط بل موقع الصورة داخل عملية إنتاج المعرفة فالرسم هنا ليس تابعا للنص بل سابق عليه أحيانا ومؤسس له قبل النظرية هناك الملاحظة وقبل التصنيف هناك العين المدربة واليد الماهرة والموهبة هذه العلاقة العضوية بين الفن والعلم التي نميل اليوم إلى فصلها كانت في لحظات تاريخية عديدة شرطا للاكتشاف ذاته توظيف العلم في الفنون المعاصرة هذا التقليد الذي بدأ ضرورة عملية في عصر ما قبل التصوير والتخصص العلمي الدقيق عاد في الفن المعاصر بشكل واع ونقدي مستفيدا من أدوات عصر جديد هناك عدد متزايد من الفنانين اليوم لا يكتفون باستلهام العلم بوصفه موضوعا بل يعتمدونه منهجا فالبحث الميداني والتعاون مع العلماء واستخدام البيانات أو التعامل المباشر مع المواد الحية هي من الأمور الشائعة اليوم في الممارسات الفنية المعاصرة في هذه الممارسات يتحول العمل الفني إلى مساحة اختبار لا تختلف كثيرا عن المختبر وإن احتفظ بلغته البصرية عالميا يبرز الفنان الأرجنتيني توماس ساراسينو الذي يتعاون مع علماء أحياء وفيزياء لدراسة الشبكات العنكبوتية والأنظمة البيئية محولا نتائج هذا البحث إلى منشآت فنية تقترح نماذج بديلة للتعايش مع الكوكب في سياق آخر تستخدم الفنانة الأميركية هيذر ديوي هاغبورغ تقنيات تحليل الحمض النووي المستخرج من بقايا بيولوجية مهملة لأشخاص مجهولين لإنتاج بورتريهات متخيلة كاشفة عن التوتر الأخلاقي بين العلم والهوية والفن تبرز تجارب ماري بانينغ وتوماس ساراسينو ولاريسا صنصور أما الفنان البرازيلي إدواردو كاك فقد ذهب إلى أبعد من ذلك حين اشتغل على الهندسة الوراثية بوصفها مادة فنية جاعلا من الكائن الحي نفسه موقعا للسؤال الجمالي والعلمي وقد اشتهر كاك بأعماله التي تصور كائنات معدلة وراثيا بطرق تحمل في كثير من الأحيان دلالات مفاهيمية في العالم العربي تبدو هذه الممارسات أقل حضورا في المشهد الإعلامي لكنها حاضرة بوضوح في أعمال عدد من الفنانين توظف الفنانة الفلسطينية لاريسا صنصور لغة العلوم الفلكية والجيولوجيا لبناء سرد بديل عن الأرض والانتماء وفي تجاربها بشكل عام تشتغل صنصور على تقاطع الخيال العلمي مع علوم الفضاء والآثار مستخدمة لغة علمية لتفكيك السرديات السياسية والتاريخية وفي لبنان قدم مروان رشماوي أعمالا تعتمد على الخرائط والبيانات حيث تتحول أدوات التخطيط والهندسة إلى وسيلة لقراءة المدينة بوصفها كيانا حيا وفي مصر ظهرت تجارب فنية تشتغل على البيئة والنباتات والذاكرة البيولوجية مستعينة بالبحث الميداني والأرشيف العلمي بوصفهما جزءا من عملية الإنتاج الفني لا يقدم العلم في الفن حقيقة نهائية بل أداة لفهم واقع متغير تتقاطع هذه الممارسات أيضا مع أعمال عربية تناولت قضايا المياه والتغير المناخي والتصحر حيث لا يقدم العلم بوصفه حقيقة نهائية بل أداة لفهم واقع هش ومتغير تعجز اللغة السياسية وحدها عن الإحاطة به في هذه الأعمال يعود الفنان إلى موقع الباحث لا المراقب أو صانع الجمال إن إدراج هذه التجارب المعاصرة ضمن سياق أطول يسمح بقراءة تقاطع الفن والعلم بوصفه تقليدا ظل يعمل في الظل ثم عاد إلى الواجهة حين أصبحت أسئلة المعرفة والبيئة والتكنولوجيا ملحة أكثر من أي وقت مضى في المقابل يفرض هذا السياق سؤالا لا يمكن تجاوزه إذ كيف نفصل القيمة المعرفية لهذه الأعمال عن السياقات السياسية أو الاستعمارية التي أنتج بعضها في إطارها nbsp

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح