فلسفة الزمن والإيقاع من الكندي إلى الفارابي
يُحسب للفيلسوف العربي أبي يوسف يعقوب بن إسحق الكندي أنه نقل التفكير في الإيقاع من حيّز الممارسة الشفوية إلى فضاء الوصف والتنظير المكتوب، حين سعى إلى تصنيف الإيقاعات في أصول أو أجناس يمكن ردّ التنويعات إليها. لم يقدّم الكندي نظرية مكتملة بالمعنى الحديث، لكنه دشّن تفكيراً تجريدياً مبكراً يقوم على التقسيم والقياس، واضعاً الإيقاع داخل أفق معرفي يتجاوز الأداء العفوي. تلك البذرة التي ظهرت في العصر العباسي ستتحول لاحقاً إلى تقاليد نظرية متشعبة، وهو المسار الذي يتتبعه الباحث اللبناني فادي العبد الله في كتابه عن الأزمنة المحصورة بين النقرات (دار الكتب خان، 2026).
بين تقديس التراث الموسيقي وتجاوزه أو تهميشه، يقترح الكتاب مقاربة ثالثة، تنطلق من قراءة تكشف البنية الذهنية للنظريات الموسيقية كما تشكّلت في سياقاتها التاريخية، ويتعامل مع النصوص باعتبارها كاشفة عن أنماط تفكير في الزمن والصوت، لذلك يحذر من إسقاط مفاهيمنا الحديثة على تنظيرات القدماء؛ فلكل معرفة شروطها وأدواتها.
العنوان نفسه يحمل مفتاح القراءة، فالإيقاع ليس مجرد نقرات مسموعة، فهو أيضاً الأزمنة الصامتة الفاصلة بينها، وما يُسمع لا يكتمل إلا بما لا يُسمع. من هنا ينطلق العبد الله ليفكك كيف فهم فلاسفة الإسلام وموسيقيّوه مسألة الزمن والإيقاع، وكيف حاولوا ضبط العلاقة بين الحركة والسكون، وبين الضربة والسكتة، وبين الامتلاء والفراغ.
ويتتبع المؤلف أحد الضروب الإيقاعية المهمة، وهو المخمس، عبر قرون طويلة من التحول، حيث يبدأ ذكره عند صفي الدين الأرموي الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي، حيث ذكره في كتابه الأدوار، ثم يرصد تشعب المصطلح عبر الشروح والتقاليد المختلفة، وصولاً إلى القرن العشرين، حيث نجد منه ثلاثة أنماط: مخمساً عربياً من ثماني نبضات، ومصرياً من ست عشرة نبضة، وتركياً يمتد إلى اثنتين وثلاثين نبضة.
تأثرت ضروب الإيقاع بالتبادل الثقافي بين العرب والفرس والترك
هذه الاختلافات العددية لا يراها الباحث مجرد فوضى في النقل، بل تعبير عن تحولات بنيوية عميقة، فالتسمية الواحدة قد تغطي أنساقاً إيقاعية مختلفة، لكنها تحتفظ بخيط داخلي يربطها بأصل مشترك. هنا يقترح مفهوم الحقول
ارسال الخبر الى: