فلسطين جدلية البناء والهدم وتمظهراتها الثقافية
في السنوات التي أعقبت اتفاق أوسلو، شهدت الثقافة الفلسطينية واحدة من أكثر التحوّلات جذرية في تاريخها الحديث. بعد أن كانت مرآة للصراع السياسي والاجتماعي، أُعيد تشكيل دورها تحت وطأة التغيّرات المتتالية التي مسّت البنية الوطنية نفسها. في محاولة لإعادة تنشيط الأسئلة الكبرى والضرورية، تطلق اليوم مؤسسة القطان مشروعها البحثي فلسطين: هدم وبناء، بالتعاون مع الباحث خالد عودة الله. يتضمن المشروع سبعة لقاءات تستكشف جدلية البناء والهدم كمقاربة لفهم تاريخ وواقع فلسطين، من خلال مساءلة تمظهراتها المادية، الثقافية، الاجتماعية، السياسية، بهدف خلق مغامرة فكرية جماعية تتأمل في معنى الكينونة الفلسطينية كحالة دائمة من الهدم والبناء. تسعى هذه اللقاءات إلى إنتاج ورقة مفاهيمية جماعية يحررها خالد عودة الله، وتعكس نتائج النقاشات والأفكار المطروحة.
منذ توقيع الاتفاق وحتى اليوم، خضعت الثقافة الفلسطينية لعملية إعادة تعريف مؤلمة؛ فمن كونها تجسّد حلم التحرر والاستقلال، تحولت شيئاً فشيئاً إلى مساحة هلامية وغير واضحة تطرح فيها أسئلة وجودية حول الذات والعلاقة مع المشروع السياسي الثقافي. لم تعد الثقافة تسير ضمن اتجاه موحد نحو الدولة أو التحرر، بل انفلتت من عباءة القداسة السياسية، لتصبح ساحة لتفكيك الروايات المؤسسة وإعادة التفكير بما يعنيه أن تكون فلسطينياً في واقع استعماري دائم ومستمر.
من التمجيد إلى التفكيك
شكّلت العقود الثلاثة الأخيرة انتقالاً حاداً من ثقافة المقاومة التقليدية إلى محاولات التفكيك والتحليل. ففي الفترة التي سبقت أوسلو، كان النقد الثقافي جزءاً لا يتجزأ من خطاب المقاومة، الذي يتمحور حول تمجيد الفدائي وتثبيت الرواية الوطنية، كما تجلّى في شعر محمود درويش وروايات غسان كنفاني. لكن بعد تأسيس السلطة الوطنية عام 1994، بدأت تظهر أصوات نقدية جديدة تتحدّى هذا الخطاب من داخله، وتطرح أسئلة عن معنى الدولة، وهوية المثقف، ودور الثقافة في مرحلة ما بعد الثورة.
تحوّلت الثقافة من ساحة للصراع الرمزي إلى مساحة آمنة
شهدت تلك المرحلة صدور كتب ومقالات ودراسات نقدية مهمة مثل: تأملات حول المنفى ومقالات أخرى (2000) ومنشورات السلطة والثقافة والسياسة (2001) لإدوارد سعيد، وكتاب في قضايا الثقافة الفلسطينية
ارسال الخبر الى: