فلاديمير شاروف في العودة إلى مصر ثلاث محاولات لإنقاذ روسيا
سار رجل غامض يُدعى تشيتشيكوف عبر الأقاليم الروسية في عام 1842، يشتري أرواحاً فارقت أجسادها لكنها لم تغادر السجلات الرسمية. هكذا يفاجئنا نيقولاي غوغول في روايته الأنفس الميتة، حين يكتب ساخراً عن محتال يطارد أشباحاً ليجني قرضاً بنكياً، ويضع بهذه الحكاية مرآة فاضحة أمام وجه روسيا القيصرية. وما إن قرأ بوشكين الفصول الأولى من الرواية، حتى غصّ بدمعه دون أن يضحك وتمتم: يا إلهي. ما أشدّ حزن روسيا! أدرك بوشكين أنها حكاية عن ركود روحي ومادي مخيف، وتشريحٌ لمجتمع يمتلئ بالحالمين التافهين، والماديين الفجين، والبخلاء الذين يموتون جوعاً فوق تلال ذهبهم.
في رواية فلاديمير شاروف العودة إلى مصر (دار مصر العربية/ ترجمة أحمد صلاح الدين، 2026)، يُطرح تساؤل فلسفي وتاريخي مدهش؛ هل يمكن لعمل أدبي منقوص أن يتحول إلى لعنة تاريخية تُغرق أمة كاملة في جحيم لا ينتهي؟ وعبر صفحاتها يشيّد الكاتب معماراً سردياً قائماً على فكرة الزمن الدائري، حيث يدور حول خطيئته الأولى، وتبدو روسيا كياناً مذنباً يبحث عن تطهير مستحيل.
غوغول وحلم الكوميديا الإلهية الروسية
سكن نيقولاي غوغول طموحٌ بالخلاص. لم يرد لـالأنفس الميتة أن تنتهي عند حدود السخرية السوداء وفضح الفساد، وأراد لها أن تكون كوميديا إلهية على غرار ملحمة دانتي، مقسمة إلى ثلاثة أطوار: الجحيم، والمطهر، والفردوس، وكان الجزء الأول بمثابة الجحيم الذي مثل الواقع الروسي الرث المعروف في هذه المرحلة، أما الجزء الثاني فكان من المفترض أن يظهر طريق الخلاص لروسيا وبطله تشيتشيكوف، ليرتقي بهما نحو الفردوس المأمول كتابته في الجزء الثالث.
لكن المحاولة الأولى للإنقاذ فشلت، وسقط غوغول في أعوامه الأخيرة في هوة سحيقة من الأزمات الروحية والنفسية، وشعر بوطأة العجز بعد تصوير الشر والخواء الروحي؛ إذ وجد نفسه قاصراً عن تصوير الخير بالقوة ذاتها، وقبل وفاته بأيام، أحرق مخطوط الجزء الثاني من عمله الملمحي.
تجاوز حريق الحكاية حدود إتلاف الورق، إذ رحل غوغول وترك روسيا عالقة في الجزء الأول، عالقة في الجحيم. ومن هنا ولدت الأسطورة التي تُحرّك رواية شاروف فكل الدماء التي
ارسال الخبر الى: