فلاديمير شاروف في العودة إلى مصر ثلاث محاولات لإنقاذ روسيا

78 مشاهدة
سار رجل غامض يدعى تشيتشيكوف عبر الأقاليم الروسية في عام 1842 يشتري أرواحا فارقت أجسادها لكنها لم تغادر السجلات الرسمية هكذا يفاجئنا نيقولاي غوغول في روايته الأنفس الميتة حين يكتب ساخرا عن محتال يطارد أشباحا ليجني قرضا بنكيا ويضع بهذه الحكاية مرآة فاضحة أمام وجه روسيا القيصرية وما إن قرأ بوشكين الفصول الأولى من الرواية حتى غص بدمعه دون أن يضحك وتمتم يا إلهي ما أشد حزن روسيا أدرك بوشكين أنها حكاية عن ركود روحي ومادي مخيف وتشريح لمجتمع يمتلئ بالحالمين التافهين والماديين الفجين والبخلاء الذين يموتون جوعا فوق تلال ذهبهم في رواية فلاديمير شاروف العودة إلى مصر دار مصر العربية ترجمة أحمد صلاح الدين 2026 يطرح تساؤل فلسفي وتاريخي مدهش هل يمكن لعمل أدبي منقوص أن يتحول إلى لعنة تاريخية تغرق أمة كاملة في جحيم لا ينتهي وعبر صفحاتها يشيد الكاتب معمارا سرديا قائما على فكرة الزمن الدائري حيث يدور حول خطيئته الأولى وتبدو روسيا كيانا مذنبا يبحث عن تطهير مستحيل غوغول وحلم الكوميديا الإلهية الروسية سكن نيقولاي غوغول طموح بالخلاص لم يرد لـالأنفس الميتة أن تنتهي عند حدود السخرية السوداء وفضح الفساد وأراد لها أن تكون كوميديا إلهية على غرار ملحمة دانتي مقسمة إلى ثلاثة أطوار الجحيم والمطهر والفردوس وكان الجزء الأول بمثابة الجحيم الذي مثل الواقع الروسي الرث المعروف في هذه المرحلة أما الجزء الثاني فكان من المفترض أن يظهر طريق الخلاص لروسيا وبطله تشيتشيكوف ليرتقي بهما نحو الفردوس المأمول كتابته في الجزء الثالث لكن المحاولة الأولى للإنقاذ فشلت وسقط غوغول في أعوامه الأخيرة في هوة سحيقة من الأزمات الروحية والنفسية وشعر بوطأة العجز بعد تصوير الشر والخواء الروحي إذ وجد نفسه قاصرا عن تصوير الخير بالقوة ذاتها وقبل وفاته بأيام أحرق مخطوط الجزء الثاني من عمله الملمحي تجاوز حريق الحكاية حدود إتلاف الورق إذ رحل غوغول وترك روسيا عالقة في الجزء الأول عالقة في الجحيم ومن هنا ولدت الأسطورة التي تحرك رواية شاروف فكل الدماء التي سالت في القرن العشرين من فظائع الثورة وتدمير الفلاحين الميسورين المعروفين بـالكولاك وجحيم معتقلات الغولاغ ليست إلا ثقبا أسود خلفه ذاك النص المنقوص لقد بقيت روسيا مثل عربة الترويكا التي وصفها غوغول في نهاية روايته تنطلق بسرعة جنونية صاعقة لكنها لا تعرف وجهتها لأن خريطة الخلاص متمثلة في الجزء الثاني والثالث قد احترقت وريث اللعنة والحكاية في رواية شاروف الفائزة بجائزة البوكر الروسية والمركز الثاني في جائزة الكتاب الكبير نتابع كوليا حفيد عائلة غوغول الذي يجد نفسه مكلفا بمهمة لاهوتية وتاريخية تتجاوز طاقة البشر بتشجيع من والدته ماريا التي تعيش في قلب التراجيديا الروسية وتؤمن بأن مآسي العائلة والأمة هي لعنة تسبب فيها الجد يبدأ كوليا محاولته لفك الشفرة يكتشف الراوي أرشيفا يضم رسائل عائلة نيقولاي غوغول nbsp تؤمن الأم بأن الطريقة الوحيدة لوقف نزيف الدماء في روسيا هي إكمال الرواية هنا يصبح فعل الكتابة فعلا علاجيا فإذا كتب الجزء الثاني المطهر والجزء الثالث الفردوس ستتحرر روسيا من زمنها الدائري وتخرج من تيه البرية إنها محاولة لترميم الوعي الروسي المشوه الذي لم يعد قادرا على التفكير بعقلانية بعد صدمات الحروب والمجاعات فلجأ إلى الميتافيزيقيا بوصفها حيلة دفاعية يكتشف الراوي أرشيفا لرسائل عائلة غوغول تتناول محاولات كوليا الحفيد صياغة خلاص لم يكتبه جده لكن هذه المحاولة تصطدم بحقيقة أن التاريخ الروسي لا يتوقف ليعطي الكاتب فرصة للتأمل فالشخصيات في الرواية التي فقدت فردانيتها تعيد تمثيل مآسي الماضي حيث الضحية التي تشفق على جلادها والنساء يتحولن إلى مومسات للجيش الأحمر في نوع من التعبئة القسرية التي تمنحهن حق البقاء في هذا المناخ تصبح محاولة كوليا للكتابة صراعا مع الشر السائل الذي يغمر كل شيء ومحاولة بائسة لإيجاد معنى في تاريخ يبدو كصراع أبدي بين الرب وفرعون حيث الجميع ضحايا وحيث موسى نفسه لم يدخل أرض الموعد سفينة للخلاص أو الغرق تصل الرواية إلى ذروتها الدرامية والفلسفية في المحاولة الثالثة التي تتجسد في مشهد السفينة ضمن رسالة كوليا إلى الخال بيوتر حين تعجز الكلمات عن إكمال الفردوس وحين يضيق المطهر التاريخي عن استيعاب كل تلك الخطايا تظهر محاولة الإنقاذ عبر العزلة المقدسة والهروب الوجودي يعيش كوليا مع سونيا في منزل غريب مشيد فوق أربعة أحجار ضخمة على شكل سفينة وعندما تفيض الأرض بشيء غامض ليس بماء عادي بل هو تجسيد للشر الذي تراكم عبر القرون يقرر كوليا والربان المنتمي لطائفة الهاربين الطوافين أن الحل ليس في إصلاح العالم بل في الطفو فوقه يتحول المنزل إلى سفينة حقيقية بأشرعة وتكتب النجاة لهما وسط فيضان غامر يصبح الجنون هو المنطق الوحيد المتبقي لمواجهة واقع لا يحتمل nbsp هذا البيت السفينة يتجاوز كونه وسيلة للهرب إلى تصويره بتابوت العهد المقدس الذي استرده الرب من السماء ليعيد بناء العهد مع شعبه إنها محاولة إنقاذ يائسة ترى أن روسيا لا يمكن إصلاحها من الداخل بل يجب النجاة منها عبر تحويل الحياة إلى رحلة طواف دائم لا تستقر في مصر القيصرية ولا في سيناء السوفييتية في هذا المشهد يتداخل الواقع بالأيديولوجيا ويصبح الجنون هو المنطق الوحيد المتبقي لمواجهة واقع لا يحتمل تكشف المحاولات الثلاث في مجملها عن مأزق عميق يفترض استحالة الخلاص عبر الأدب واستحالة تجاوزه في الوقت ذاته فالأدب في تصور شاروف ليس مجرد انعكاس للواقع بل هو أحد شروطه ومن ثم فإن إخفاق غوغول في إكمال نصه لا يظل حدثا معزولا بل يتحول إلى بنية تؤطر التاريخ الروسي عبر عرض هذه المحاولات تضع الرواية القارئ أمام سؤال جوهري هل يمكن حقا إنقاذ أمة عبر نص أدبي أم أن هذا التصور في ذاته هو جزء من المشكلة ناقدة ومترجمة مصرية

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح