فضيحة إبستين عندما تسقط الأقنعة وتتكشف البنى العميقة للسلطة

25 مشاهدة

ليست فضيحة وثائق وتسجيلات جيفري إبستين حدثًا معزولًا في الزمن السياسي العالمي، ولا طارئًا عابرًا في سجلّ الانحرافات الأخلاقية للنخب الحاكمة، بل هي حلقة إضافية في سلسلة طويلة من الانكشافات التي تصيب جوهر المنظومة لا أطرافها. إنّها ليست “حادثة”، بل تجلٍّ بنيوي لطبيعة السلطة حين تنفصل عن الأخلاق، وحين تتحول القوة من وظيفة سياسية إلى أداة هيمنة، ومن مسؤولية تاريخية إلى امتياز طبقي مغلق. فالفضائح الكبرى لا تولد من فراغ، ولا تظهر فجأة من عدم، بل تنمو ببطء داخل أنظمة مغلقة، حيث تتكاثف السلطة مع المال، ويتزاوج النفوذ مع الحصانة، وتتحوّل الدولة من كيان أخلاقي جامع إلى شبكة مصالح عابرة للحدود. هكذا يصبح الانحراف جزءًا من البنية، لا خللًا فيها، ويغدو الفساد نمطَ حكم لا انحرافَ أفراد. قضية إبستين، بما تحمله من وثائق وتسريبات وتسجيلات، لا يمكن قراءتها بوصفها ملفًا جنائيًا فقط، بل بوصفها مرآة سياسية تعكس طبيعة النظام العالمي المعاصر، حيث تتشابك شبكات القرار، ويذوب الفاصل بين الرسمي والخاص، بين الدولة ورجال المال، بين السيادة الوطنية والنفوذ العابر للقارات. وما يخرج إلى العلن ليس إلا جزءًا ضئيلاً مما هو مخفي، لأن منطق القوة ذاته يعمل على إنتاج الصمت بقدر ما ينتج الجرائم. وليس هذا المشهد جديدًا على التاريخ السياسي الغربي، ففضيحة ووترغيت التي أطاحت بريتشارد نيكسون لم تكن مجرد عملية تجسس انتخابي، بل كانت تعبيرًا عن دولة ظلّ تعمل بمنطق أمني فوق الدستور، وفضيحة بيل كلينتون لم تكن مجرد علاقة شخصية، بل كانت انكشافًا لثقافة النخب التي تفصل بين الأخلاق العامة والسلوك الخاص، وتُنتج خطابًا قيميًا علنيًا تمارَس نقيضه في الغرف المغلقة. ثم جاءت وثائق ويكيليكس لتفتح الستار على البنية العميقة للدبلوماسية الغربية، كاشفة كيف تُدار الدول بمنطق الصفقات السرية، وكيف تُختزل القيم إلى أدوات ضغط، والسيادة إلى أوراق تفاوض، والشعوب إلى أرقام في تقارير استخباراتية، ولم تكن ويكيليكس مجرد تسريب معلومات، بل تفكيكًا سرديًا لأسطورة “العالم الحر”، وإعادة تعريف لمفهوم الدولة الحديثة بوصفها منظومة مصالح لا منظومة قيم.

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع صحيفة الثورة صنعاء لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح