إذا فسد الإنسان فسد العمران

21 مشاهدة

ابن خلدون يلخص القضية في عبارته الشهيرة: الظلم مؤذن بخراب العمران وليس المقصود ظلماً عابراً، بل بنية كاملة من انتهاك الحقوق والاستباحة وتحويل الناس إلى أدوات أو أرقام. في كتابه المقدمة يربط ابن خلدون بين الاعتداء على الملكيات والحقوق وانهيار الحافز على العمل والإنتاج، ومن ثم انهيار الحضارة ذاتها؛ لأن الناس، حين يفقدون الشعور بالعدالة، يكفّون عن البناء، ويبدأ التفكك من الداخل. هذا التحليل الخلدوني لا يقتصر على الاقتصاد أو السياسة؛ فهو في جوهره تشخيص لانهيار البنية الأخلاقية التي يقوم عليها العمران: احترام الحق، وحرمة الإنسان، والمعنى المشترك للعدالة. حين تختل هذه الركائز، لا يبقى أمام الدولة أو الأمة إلا زمن قصير من حياة اصطناعية قبل السقوط.

طه عبد الرحمن يذهب أبعد من ذلك؛ إذ يرى أن الأخلاق ليست زينة للحياة الإنسانية، بل هي تعريف الإنسان نفسه. فالإنسان عنده ليس حيواناً ناطقاً ولا كائناً اجتماعياً فحسب، بل كائناً مؤتمناً؛ جوهره الأمانة والمسؤولية. وفي نقده للحداثة وما بعدها، يصف عالماً تحكمه ثقافة لا أخلاقية تُحوِّل كل شيء إلى سلعة: الجسد، الفكرة، وحتى المعاناة. ويقول إن الإنسان الأخلاقي في العالم العربي والإسلامي اليوم تائه بين استبداد الماضي وتقليد الحاضر، لا يجد فضاءً حقيقياً يمارس فيه أمانته الأخلاقية؛ فالسياسة انفصلت عن القيم، والدين حُوصر في الطقوس، والفلسفة انسحبت من المجال العملي.

من هنا يفهم طه أن الانهيار الأخلاقي ليس سقوطًا في فجور فردي فحسب، بل هو مشروع تاريخي: حين تتحول القوة إلى معيار الحقيقة، وتصبح المصلحة المادية وحدها مقياساً لكل شيء، يدخل العالم في حالة توحّش جديد، مهما ارتدى من أقنعة قانونية وحقوقية.

ما يجري في قطاع غزة منذ عام 2023 نموذج حيّ لعاقبة الانهيار الأخلاقي العالمي. تقارير أممية وخبراء مستقلون تحدّثوا صراحة عن إبادة جماعية، وعن تعمّد تدمير مقومات الحياة الأساسية: الماء، الغذاء، الدواء، البنية الصحية، والتعليم. تقارير أخرى توثّق تدميراً اقتصادياً شبه كامل، وانهياراً في مستوى المعيشة إلى حدّ وصفه أحد تقارير الأمم المتحدة بأنه هاوية صنعها البشر، مع تقديرات لإعادة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح