فرنسا الأخرى التي لا نعرفها فقر وبطالة وغلاء وأزمات مالية
73 مشاهدة
زرت فرنسا مرات عدة ولا أخفي انبهاري الشديد في البداية بجمالها ونظافة شوارعها وفخامة متاحفها ومعالمها السياحية وعراقة مسارحها ومتاجرها ومقاهيها وفي كل زيارة كنت أحرص على زيارة أكبر عدد من الأماكن السياحية متحف اللوفر الشهير في باريس وهو أكثر متحف يرتاده الزوار حول العالم بداخله تنبهر بلوحة الموناليزا الشهيرة للرسام ليوناردو دافينشي والتي عاصرتها معروضة مباشرة للزوار ثم داخل صندوق زجاجي واق كما تنبهر بعراقة وتطور الحضارات القديمة وأنت تتجول في المتحف حيث متحف الآثار المصرية والذي يحوي آثارا نادرة غير متوافرة في متاحف القاهرة وهناك برج إيفل وقوس النصر وكاتدرائية نوتردام وهي كنيسة كاثوليكية تاريخية وأيقونة معمارية تعرضت لحريق ضخم في العام 2019 وتعد واحدة من أهم المعالم في باريس وهناك شارع الشانزليزيه قلب باريس النابض وهو واحد من أرقى وأفخم الشوارع السياحية والتجارية في العالم وزرت أيضا قصر فرساي المقر الرئيسي لملوك فرنسا وواحدا من أشهر المعالم في الدولة الأوروبية ويعود تاريخه إلى القرن السابع عشر وهناك نهر السين والريفيرا الفرنسية وديزني لاند وغيرها وكانت تستهويني أيضا زيارة الأماكن والمقاهي الأدبية في باريس عاصمة النور كما يطلقون عليها والتي كان يتردد عليها عباقرة ومفكرو مصر والعرب أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم ورفاعة الطهطاوي ومحمد عبده ومصطفى عبد الرزاق وزكي مبارك وسهيل إدريس وفيصل الياسري وغيرهم إلا إنه في إحدى الزيارات تغيرت تلك الصورة الوردية تماما إذ نصحني أحد الأصدقاء بزيارة فرنسا الأخرى التي لا نعرفها كانت النصيحة غير مباشرة ومغلفة بعرض تجاري أنصحك بشراء ملابس من أطراف العاصمة باريس حيث توجد ماركات عالمية جديدة بأسعار رخيصة كانت نصيحته هي أن تكون الزيارة قبل غروب الشمس وألا أحمل نقودا كثيرة معي خلال الزيارة وأن أترك جواز سفري والأوراق المهمة في خزانة غرفة الفندق ولا أعرف وقتها سبب تلك النصائح التي كان يرددها علي صديقي بصرامة ويطالبني بالالتزام بها حرفيا خوفا علي كما قال وقتها الفقر في فرنسا وصل إلى مستويات مرعبة هي الأعلى منذ ثلاثة عقود وهناك نحو 10 ملايين فرنسي يقبعون تحت خط الفقر في تلك الأحياء الفقيرة والضواحي المنتشرة في ربوع البلاد وبالفعل زرت أطراف باريس وهالني ما رأيت أحياء فقيرة مبان قديمة وآيلة للسقوط تنهشها مواسير الصرف الصحي البالية عشوائيات وخيام تجار وباعة جائلون يفترشون الأرض مناطق عدة نهشها الفقر وعششت بها البطالة والبلطجة والسرقة وباتت مرتعا للمجرمين والخارجين على القانون وبيئة حاضنة للهاربين من العدالة عدت بسرعة للأرقام فوجدت أن الفقر في فرنسا وصل إلى مستويات مرعبة هي الأعلى منذ ثلاثة عقود وهناك نحو عشرة ملايين فرنسي يقبعون تحت خط الفقر في تلك الأحياء الفقيرة والضواحي المنتشرة في ربوع البلاد خاصة في مرسيليا الواقعة جنوب البلاد على ساحل البحر الأبيض المتوسط وتعد ثاني أكبر مدن فرنسا بعد باريس وأقدمها تدعم ذلك البيانات الصادمة للمعهد الوطني الفرنسي للإحصاء الخاصة بعام 2023 والتي تظهر أن معدل الفقر بلغ 15 4 وهو أعلى مستوى يسجل منذ بدء الإحصاء في عام 1996 وأن 9 8 ملايين شخص عاشوا خلال هذا العام بدخل أقل من 1288 يورو شهريا وأن نحو 650 ألف شخص دخلوا دائرة الفقر في غضون عام واحد أما عن البطالة داخل فرنسا فحدث ولا حرج إذ هناك ما يقرب من 2 4 مليون عاطل عن العمل وتلك الأرقام مرشحة للزيادة في ظل تفاقم الأزمات الاقتصادية والهشاشة المالية وغلاء المعيشة والاضطرابات التي تمر بها فرنسا حاليا والتي كانت السبب الرئيسي وراء إطاحة حكومة فرنسوا بايرو بل تهدد نظام ماكرون بأكمله تدعم تلك التوقعات دوامة العجز التي تمر بها الميزانية الفرنسية وتفاقم الدين العام وتردد المستثمرين وزيادة كلفة الإنتاج وأسعار الطاقة والسلع الأساسية ذهلت مما شاهدت داخل الأحياء الفقيرة في منطقة باريس الكبرى خاصة المناطق الشمالية الشرقية مثل سين سان دوني التي تعاني معدلات بطالة وفقر مرتفعة وكانت خاتمة زيارتي هي تعرضي لمحاولة سرقة في تلك الأحياء لولا أن قدمي قادتاني بسرعة لأقرب وسيلة مواصلات لأقفز إليها