لم ينتظر سوريون كثيرون طويلا لاكتشاف أثر رفع الحكومة لتعرفة الكهرباء إذ جاءت الفاتورة الأولى بعد القرار كفيلة بإشعال موجة من الغضب والقلق خصوصا لدى أصحاب الدخل المحدود من موظفين ومتقاعدين وجدوا أنفسهم أمام أرقام لا تتناسب مع رواتبهم الثابتة ولا مع ساعات التغذية المحدودة وكانت وزارة الطاقة قررت تنفيذ التعرفة الجديدة بدءا من شهر يناير كانون الثاني الجاري في إطار مشروع إصلاح قطاع الكهرباء وتحقيق الاستدامة وتحسين الخدمة حيث توزع التعرفة على أربع شرائح تراعي الفئات الاجتماعية ومستويات الاستهلاك المختلفة الشريحة الأولى لأصحاب الدخل المحدود حتى 300 كيلو واط سيكون سعر الكيلو واط الواحد 600 ليرة سورية والشرائح الأخرى تتراوح بين 1400 و1800 ليرة الدولار نحو 11800 ليرة صدمة الفاتورة الأولى يقول الموظف في إحدى الدوائر الحكومية بدمشق فادي زكريا إن فاتورة الكهرباء الأخيرة شكلت صدمة حقيقية موضحا لـالعربي الجديد أن الاستهلاك لم يتغير مقارنة بالأشهر السابقة لكن القيمة تضاعفت ويضيف أن راتبه الشهري بالكاد يغطي الاحتياجات الأساسية متسائلا كيف يمكن تحمل زيادة جديدة على خدمة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها وتقول جميلة الشجاع متقاعدة تقيم في ريف دمشق إن الفاتورة التهمت جزءا كبيرا من دخلها التقاعدي رغم محاولات الأسرة المستمرة لتقليل الاستهلاك وتقول لـالعربي الجديد إن إطفاء الإنارة وتقنين استخدام الأجهزة الكهربائية لم يعودا كافيين للتخفيف من العبء مؤكدة أن المتقاعدين من أكثر الفئات تضررا في ظل دخل ثابت لا يواكب ارتفاع تكاليف المعيشة ويشير عدد من المواطنين الذين راجعوا مكاتب جباية الكهرباء في دمشق وريفها إلى أنهم فوجئوا بقيم فواتير مرتفعة من دون القدرة على التحقق منها إلكترونيا بعد إيقاف خدمة الاستعلام عن الفواتير عبر المنصات الرقمية ويقول هؤلاء إنهم لم يعرفوا قيمة الفاتورة إلا عند مراجعة المكتب حيث صدموا بأرقام مضاعفة مقارنة بالأشهر السابقة في وقت يرون فيه أن أسعار الكهرباء في دول عديدة باتت أقل كلفة رغم تحسن الخدمة ويؤكد بعضهم أنهم لن يتمكنوا من تسديد هذه الفواتير في ظل أوضاعهم المالية الصعبة معتبرين أن عدم الدفع أصبح خيارا قسريا أكثر منه قرارا الفاتورة أكثر من ضعف الراتب يقول محمد النابلسي وهو موظف أربعيني إن فاتورة الكهرباء أخيرا بلغت نحو مليوني ليرة سورية في حين لا يتجاوز راتبه الشهري 900 ألف ليرة ويوضح لـالعربي الجديد أن هذا الرقم يفوق قدرته على الدفع ما دفعه إلى اتخاذ قرار بعدم تسديد الفاتورة في الوقت الحالي حتى لو أدى ذلك إلى فصل العداد ويضيف أن إعادة العداد لم تعد أولوية بالنسبة له في ظل الظروف المعيشية القاسية معتبرا أن الوضع أصبح صعبا جدا ويحتاج إلى تدخل سريع قبل أن تتفاقم الأزمة أكثر في المقابل تبرر المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء آلية التسعير الجديدة بالاستناد إلى دراسات فنية ويؤكد مدير المؤسسة خالد أبو دي لـالعربي الجديد أن تحديد استهلاك الأسر التي لا تمتلك عدادات كهربائية بـ400 كيلو واط ساعي شهريا جاء بناء على دراسات أظهرت أن الاستهلاك الوسطي للأسر المزودة بعدادات يبلغ نحو 300 كيلو واط ساعي في حين يتراوح استهلاك الأسر غير المزودة بعدادات بين 550 و600 كيلو واط ساعي ويشير إلى أن اعتماد رقم 400 كيلو واط ساعي اعتبر حدا أدنى عادلا وأقل كلفة على المواطنين مقارنة بالاستهلاك الفعلي ووفق أبو دي تحتسب أول 300 كيلو واط ساعي من هذا الاستهلاك ضمن الشريحة الأولى بسعر 600 ليرة سورية للكيلو واط بينما تحتسب المئة كيلو واط المتبقية وفق الشريحة الثانية بسعر 1400 ليرة سورية للمشتركين على الخطوط غير المعفاة من التقنين أما الخطوط المعفاة من التقنين فيحتسب الاستهلاك ذاته بسعر ثابت يبلغ 1700 ليرة سورية لكل كيلو واط ساعي لكن هذه التوضيحات لا تبدد مخاوف مواطنين يرون أن المشكلة لا تكمن فقط في طريقة الاحتساب بل في الفجوة الواسعة بين الدخل والأسعار ويقول العامل في ورشة خاصة أبو جمعة لـالعربي الجديد إن دخله غير ثابت ويتأثر بتراجع العمل ومع ذلك تفرض عليه فواتير لا تراعي الواقع المعيشي مضيفا أن الكهرباء رغم التقنين الطويل تحولت إلى عبء إضافي يثقل كاهل الأسر تركيب عدادات كهربائية وفي ما يتعلق بمطالب المواطنين بتركيب عدادات كهربائية يفيد أبو دي بأن المؤسسة تعمل على معالجة النقص مشيرا إلى التواصل مع دول شقيقة ومجاورة لتأمين عدادات إضافة إلى إطلاق مناقصات جديدة بعد تعديل دفاتر الشروط الفنية ويوضح أن موعد إغلاق المناقصة الجديدة سيكون مطلع فبراير شباط 2026 على أن يبدأ توريد العدادات بعد أربعة أشهر تمهيدا لبدء التركيب مع مطلع آب من العام نفسه وتخطط المؤسسة بحسب مديرها لتأمين نحو ستة ملايين عداد أحادي الطور و500 ألف عداد ثلاثي الطور قدرة تحمل أكبر بما يتناسب مع عدد المشتركين البالغ نحو 6 5 ملايين مشترك في مختلف المحافظات على أن تستغرق عملية الاستبدال بين ثلاث سنوات وثلاث سنوات ونصف السنة مع هدف معلن بأن تكون جميع الأسر في سورية مزودة بعدادات كهربائية بحلول منتصف عام 2027 وبينما ترى الجهات الرسمية أن رفع التعرفة ضرورة مرتبطة بتكاليف الإنتاج يؤكد مواطنون أن أي إصلاح في قطاع الكهرباء لا يمكن أن يكون ناجحا ما لم يترافق مع تحسين حقيقي في مستويات الدخل محذرين من أن الفاتورة الأولى بعد الرفع لم تكن مجرد رقم جديد بل مؤشرا إضافيا على عمق الأزمة المعيشية