غيبة مي لنجوى بركات رحلة في مجاهل الشيخوخة
قلّما تناول الأدب العربي المعاصر موضوع الشيخوخة بصفته موضوعًا وجوديًّا قائمًا بذاته، كما الحال في الغرب، وفي مناطق أخرى من العالم، كاليابان مثلًا، لأنه امتداد لتقاليد فلسفية أدبية عميقة قاربت الموضوع من زوايا مختلفة، وكشفت العلاقة بين الجسد والزمن والموت.
إلى هذا المكان أخذتني رواية غَيبَة مَي للروائية نجوى بركات، التي تحكي عن امرأة مسنّة تعيش وحيدة في الطابق التاسع، تطلّ منه على مدينة تتفكّك منذ عقود، وتنظر في مرآة حياتها وذكرياتها كأنّها تروي حكاية شخص آخر، حتى حين تغوص في الفصل الثاني من الرواية في سيرتها الذاتية. هذه السيرة، على غرار بيروت التي تحيا في خراب متواصل - كأنه جزء من تكوينها ومن جروحها التي لا تندمل - ليست سوى خلفيّة للصورة، لا موضوعها الأساسي. الموضوع الأساسي في الرواية يتمثّل في الشيخوخة، هذا الانفجار الصامت والبطيء، الذي يحصل داخل الجسد ولا يأتي من خارجه. يبدأ لحظة الولادة، ويتقدّم حافيًا، بلا ضجيج، كموجة ستبلغ الشاطئ لا محالة. إنها الشيخوخة التي تترك آثارها العميقة في النفس والجسد.
ضمن هذه العزلة، هذا الصمت الأجوَف، تشعر مَي بكيانها يتلاشى شيئًا فشيئًا، يختفي إلى أن يصير شبحًا وظلًّا لذاته. يصبح استحضار الماضي هو الحاضر، وهو تَحَسُّر مَي على أنها عاشت قدَرًا ليس قدرها. وحبّذا لو كان ثمّة حياة ثانية يعيشها المرء وتكون هي الحياة الفعليّة، أمّا الحياة الأولى فتكون تمرينًا أوّل لاستيعاب ما يجري، وللتخفيف من المشقّات وخيبات الأمل. هذه الأمنية التي لن تتحقّق، تَسقط أمام الخوف مِن تقهقُر الذاكرة والإصابة بالنسيان الذي يزحف كضباب يبتلع كلّ شيء حتّى الجبال، ومن ضُمور الجسد وألمِ عظامٍ تنوء بأداء أبسط الحركات.
دورة حياة المرأة من الطفولة، والأنوثة النضرة، إلى الشيخوخة
ليست آليَّةُ الحركة ما يبثّ القلق في نفس مَي، بل ما يؤول إليه شكل الأعضاء التي تتشوّه يومًا بعد آخر. تلك اليد التي كانت تصافح، وتومئ، وتُغوي، وتضمّ، وتتذكَّر، هي، كالوجوه، لا تحتاج إلى كلام لتتكلّم. يكفيها أنّها تتنفّس وتلمس وتنبض. فما حالها، إذًا، حين
ارسال الخبر الى: