غوته والشرق حوار الحضارات بلغة الشعر
ما الحضارات إلا معلّقات كبرى، يكتب كلُّ شعبٍ بيتاً منها، ثم تأتي الإنسانية لتجمعها في ديوانٍ واحد.
لا أزال أشعر بقشعريرةٍ تسري في جسدي النحيل، لم تفارقني منذ قرأت عن الحي اللاتيني في مدينة الجن والملائكة ضمن كتاب أيام لطه حسين. فمنذ أن راودتني آلهةُ الترحال إلى ألمانيا، وقبل أن تطأ قدماي ضفاف البودِنسي (بحيرة كونستانس)، كانت تلك القشعريرة تتسلل إلى أعماقي وكأنها نذيرُ تحوّلٍ جديد في حياتي. شعرتُ وكأنني عصفورٌ من الشرق، تملؤه رهبةُ الخطوة التالية، وتحثّه على المضي قدماً، فأستعين حينها بكرامات الأولياء ودعاء والدتي النيليّ المقدّس.
وهكذا، أخيراً، دخلت على حورية الجنوب وبنيت بها، مُلقياً عصاي، كما دخل طه حسين عالم مونتمارتر والشانزليزيه وحي نوتردام دي باري؛ بقلبٍ يفيض دهشةً، وعينين تبحثان في كل لمحةٍ ونَفَسٍ عن آفاقٍ جديدة ورؤى لم تُعش بعد.
٭٭٭
لم تكن تلك الدهشة وليدة تلك البقعة وحدها، بل كانت، على الأرجح، بداية اكتشاف عالمٍ لم أكن أتخيّل سعته وامتداده. فقبل قدومي إلى جامعة كونستانس لتعلّم اللغة الألمانية، بغرض الدراسة والبحث، لم أكن أعلم أن وراء هذه اللغة التي جئت أبحث عن مفاتيحها عالماً هائلاً من الشغف العلمي؛ عالماً أبدع فيه الأكاديميون الألمان في دراسة الشرق، وأدب الرحلات، وصناعة المعاجم، وتوثيق اللهجات العربية، وتحقيق المخطوطات، والغوص في أعماق الآداب الشرقية والفلسفات التي ساهمت في تشكيل جزءٍ مهم من ذاكرة الإنسانية.
انفتح أمام ذلك الشاب الطموح القادم من الجنوب بابٌ جديد، لم يكن يتوقع يوماً مدى اتساعه. أتيتُ إلى هذه البلاد التي تموت من البرد حيتانها، كما وصفها الأديب السوداني الطيب صالح في رائعته موسم الهجرة إلى الشمال، أبحث عن لسان العم غوته، وعن الدروب التي سلكها ذلك الرحالة في عوالم الفكر والشعر، لا يلوي على شيء إلا الاغتراف من معين الشرق، والنهل من ينابيع حضاراته وآدابه.
فإذا بي أجد خلف اللغة عالماً آخر؛ عالماً من الجسور الممتدة بين الشرق والغرب، بين بغداد ودمشق وفارس والأندلس من جهة، وبرلين وفايمار وكونستانس من جهة أخرى.
ارسال الخبر الى: