غزة حرب استعمارية في تفكيك العنف البنيوي
يُعدّ كتاب غزة: حرب استعمارية (دار أكت سود - سندباد ومؤسسة الدراسات الفلسطينية، باريس، 2025) محاولة فكرية عميقة لإعادة تأطير العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ضمن منطق استعماري بنيوي، بعيداً عن التفسيرات السائدة التي تختزله في كونه حرباً على الإرهاب، أو مجرد صراع غير متكافئ. يستند هذا الطرح إلى مقاربات دراسات الاستعمار الاستيطاني، ويطمح إلى تقديم قراءة شاملة تتجاوز الأحداث الآنية لتفكك البنية طويلة الأمد للعنف والاستعمار المفروض على الفلسطينيين في غزة، غير أن هذا الإطار النظري، رغم قوّته، ليس من دون ثغرات أو زوايا مظلمة.
الكتاب الذي أشرف على تنسيق الدراسات الواردة فيه كل من الباحثة فيرونيك بونتان، والمؤرخة والباحثة ستيفاني لاط عبد الله، يتميّز بقدرته على كسر السردية الإعلامية المسيطرة؛ إذ لا يركّز على المواجهات العسكرية فحسب، بل يحفر في الطبقات العميقة للعنف البنيوي، من الحصار والتجويع، وحتّى محاولات محو المستقبل الفلسطيني. من خلال مساهمات متعددة لباحثين وميدانيين، يعتمد الكتاب على شهادات حيّة ووثائق أرشيفية تُظهر كيف أن غزة ليست مجرد مسرح حرب، بل إنّها مختبر لعنف استعماري معاصر.
من أبرز ما يميّز هذا العمل رفضه للمنطق الاستثنائي الذي يُعامل غزة مكاناً فريداً أو حالةً شاذة، إذ يصرّ على رؤيتها نموذجاً مكثّفاً لممارسات استعمارية معاصرة، ما يمنحه بُعداً مقارباتياً واسعاً، كما ينأى الكتاب عن المقاربات الدبلوماسية والإنسانية الشائعة في مؤلفات مفكّرين مثل نعوم تشومسكي أو إيلان بابيه، مفضّلاً مقاربة أكثر راديكالية تُشبه أعمال باتريك وولف أو لورينزو فيراشيني.
رغم ذلك، فإنّ اختيار مفهوم الحرب عنواناً وركيزة لتحليل الحالة الغزّية يبدو إشكالياً؛ فغزة لا تعيش حرباً بالمعنى التقليدي القائم على المواجهة بين جيوش نظامية، بل ترزح تحت حصار مستمر وعنف متقطّع لا بداية له ولا نهاية واضحة. استخدام مصطلح الحرب قد يُنتج توازناً زائفاً بين قوة عسكرية هائلة كإسرائيل، وكيان محاصر بلا جيش كغزة، كما أنّه يُخفي البنية الزمنية للمعاناة، إذ ما تعانيه غزة هو استعمار مزمن مستمر منذ أكثر من 75 عاماً، وليس حملة عسكرية محدودة.
ارسال الخبر الى: