غرفة لا تتسع للهزيمة

45 مشاهدة
اخبار اليمن الان الحدث اليوم عاجل

يمنات

قصة ـ عدنان الدوسري

كانت الغرفة أصغر من أن أمشي فيها.ثلاث خطوات إلى الباب، خطوتان إلى النافذة، وخطوة إلى المرآة.لهذا، كلما ضاق صدري، جلست.حتى الهزيمة تحتاج إلى مساحة، وغرفتي لم تكن تتسع لها.جئت إليها بحقيبة واحدة بعد أن ضاقت بي المدينة. قلت لصاحب البناية:

ـ شهر، وربما أقل.

ابتسم وهو يناولني المفتاح.

ـ الغريب دائما يقول ذلك.

لم تعجبني كلمة (الغريب).

كنت أظن أن الغربة بلد آخر، ثم اكتشفت أنها قد تكون غرفة لا يعرف جدارها اسمك.وضعت حقيبتي قرب الباب ولم أفرغها.مضت خمسة أشهر .بقيت الحقيبة مكانها.كنت أخرج منها قميصا وأعيده، آخذ كتابا وأرجعه. لم أضع شيئا في الخزانة.كنت أخشى أن أرتب ملابسي فيها فأبدو كمن قرر البقاء.وكان البقاء يخيفني أكثر من الرحيل.في الصباح أفتح النافذة.أمامي جدار رمادي.لا شجرة.لا سماء كاملة.مجرد مستطيل أزرق صغير في الأعلى يثبت أن العالم ما زال موجودا خلف هذا الجدار.ذات صباح وصلتني رائحة خبز من الشارع.

أغمضت عيني.ولم أعد في الغرفة.كنت هناك…

في صباح بعيد، أجلس إلى مائدة مزدحمة، تمتد يد صغيرة نحو قطعة الجبن قبل أن أصل إليها.

أقول:

ـ اتركي لأبي شيئا.

فتأتيني ضحكة من الطرف الآخر:

ـ خليها تاكل، نشتري غيره.

كان الشاي ساخنا.والبيت مليئا بأصوات لا قيمة لها يومها.باب يغلق.ملعقة تسقط.أحدهم يبحث عن حذائه.

وصوت يسأل:

ـ من أخذ الشاحن؟

أشياء عادية جدا.لم أكن أعرف أن الأشياء العادية تصبح، حين نفقدها، أثمن ما نملك.فتحت عيني.الجدار أمامي.والغرفة صامتة.قلت بصوت مسموع:

ـ كفى.

لم أعرف لمن قلتها.للذاكرة؟للغرفة؟أم للرجل الذي صار يتحدث إلى نفسه كي يسمع صوتا بشريا؟على الطاولة صورة قديمة.لم أكن أحب النظر إليها كثيرا.كنت فيها أضحك.ضحكة كاملة، بفم مفتوح وعينين لا تعرفان شيئا عن الغد.أحيانا كنت أقلب الصورة على وجهها.ليس لأنني أكره الماضي.بل لأنني أغار من الرجل الذي كنته.

ذات مساء انقطعت الكهرباء.جلست في العتمة.

من الشقة المجاورة تسربت ضحكات عائلة حول مائدة العشاء.رجل قال شيئا.ضحكت امرأة.ثم ارتفع صوت طفل.وضعت يدي على أذني.لكن الضحكات عبرت أصابعي.نهضت.مشيت خطواتي الثلاث إلى الباب. وضعت

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع يمنات لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح