غابرييلا ميسترال القصيدة مساحة أمومية في عالم مضطرب
في استوكهولم عام 1945، وبينما يبتهج العالم بانتهاء حرب عالمية ثانية، احتفت جائزة نوبل للآداب بصوتٍ قادم من أقصى جبال الأنديز؛ صوت امرأة سجّلت السبق بوصفها أول أديبة من أميركا اللاتينية تنال أرفع جائزة عالمية. إنها الشاعرة غابرييلا ميسترال، أو بالأحرى المعلمة الريفية لوسيلا ألكاياغا، التي اختارت أن تتسمى باسم منحوتٍ بسبب عشقها للشاعرين الإيطالي غابرييل دانونزيو والفرنسي فردريك ميسترال؛ وكأنها بهذا الاسم المركب، تصهر الثقافات في بوتقة واحدة، لتخرج للعالم بصوتٍ فريد لا يشبه أحداً، صوت امرأة هزّت أركان القصيدة اللاتينية ببساطتها وصدقها الجارف.
حارسة الفردوس المفقود
في بلدة فيكونيا، القابعة في أحضان وادي إلكي؛ ذلك الشق العميق الذي يفتق شمال سانتياغو في تشيلي، أقيمت منذ أيام عروض سينمائية ومسرحية وموسيقية استذكاراً لمولد غابرييلا ميسترال في السابع من إبريل/نيسان عام 1889. في كتابها رسائل إلى تشيلي، تستحضر هذا الموطن كأنه علامة مائية بين الجبال، معتبرة أن هذا المكان الضئيل يُعشق كما يُعشق الكمال. من هنا، ظلّت جبال طفولتها ونهرها وكائناتها هي الفردوس المفقود الذي نُفيت عنه مبكراً، ومن سكونه تدفقت روحها الشعرية: للصخور ملامحُ مبعثرةٌ كأطفالٍ تائهين/ حاجبٌ فوقَ جبل، وكاحلٌ في مقعدٍ صخري.
تشكّلت هوية ميسترال بين قطبين متباينين: أمٌّ مثّلت مرسى التربية الأولى، غرست فيها الانتماء والإصرار، وأبٌ مولع بالترحال والحياة الصاخبة. ورغم أنه غادر العائلة وهي في الثالثة، حملت زياراته القليلة معها أنغام الغيتار وبذور الشعر، فترسّخ في داخلها الحس الجمالي، وورثت عنه قلق التنقّل، أو ما يشبه لعنة الترحال الجميل. أمّا البعد الروحي، فقد تسرّب إليها عبر جدتها لأبيها، تلك المرأة الورعة التي كانت تلقّنها مزامير داود وتغرس فيها لغة الكتاب المقدس.
تتكثف تجربة المرأة/المعلمة التي تحوّل خساراتها إلى فعل رعاية
لم يكن هذا الأثر عابراً، بل صار معينها الأول الذي استمدت منه بلاغتها ورؤيتها للكون، كما اعترفت في ديوانها كآبة (1922): يا كتابي المقدّس، يا أفقاً مهيباً/ عليه استقرت عيناي طويلاً/ في مزاميرك حممٌ أشدّ وهجاً/ وفي نهرِ نارك أوقدتُ قلبي!/ وبعدَك، لم
ارسال الخبر الى: