في عيادة تشيخوف السردية لا دواء للهشاشة الإنسانية

27 مشاهدة

في ذكرى رحيل أنطون تشيخوف التي مرّت منذ أيام، يراودنا الشعور بأنّنا في أمس الحاجة إلى التداوي بنبرته القريبة وصدقه الصادم؛ ذلك الصوت العذري الذي يتسلل على أطراف أصابعه ليوقظنا من سباتنا العميق، ويواجهنا بحقيقتنا المؤسفة مع ابتسامة تعاطف واسعة.

وليس غريباً على رجلٍ خبر البؤس والبرد قسراً منذ طفولته في دكان والده، وتطوع مبكراً لإنقاذ عائلته من الإفلاس، أن يحوّل القلم إلى مبضع لتشريح أوجاع الإنسان. وهو ما لخصه في مقولته الشهيرة: مهمة الكاتب هي تشخيص المرض بدقة، لا وصف العلاج. من هنا تأسّست أصدق عيادة سردية في تاريخ الأدب؛ عيادة لا تبيع الأوهام، بل تكتفي بتعرية تشوهاتنا المزمنة: ضعفنا المخجل، القواقع التي ننكفئ داخلها خوفاً من الحياة، والخيبات التي نبتلعها في صمت مع آخر رشفة شاي.


العلاج بالصدمة

لا شك أن تشيخوف حمل أدواته الطبية معه إلى حقل الأدب، مبلوراً هذه العلاقة الثنائية بقوله الطب زوجتي الشرعية، والأدب عشيقتي، فكما كان يصغي إلى شكوى المريض قبل تشخيص الداء، حرص تشيخوف على الإصغاء إلى هواجس الإنسان قبل تحويلها إلى قصة أو مسرحية، لهذا يبدو مشروعه الفني أشبه بعيادة سردية، حولت الإصغاء إلى فعل جمالي، والكوميديا إلى بنج موضعي.

يكشف في نصوصه أن التكيّف مع القهر هو خطيئتنا الأصلية

في قصة المغفلة، يستدعي ربُّ المنزل مربيةَ أولاده يوليا لتسوية حسابها؛ وبدلاً من إيفائها حقها، يبدأ في استفزازها بخصومات جائرة: أيام الآحاد والأعياد، ثمن فنجان مكسور، ومعطف ابنه الممزق. وبينما يكاد القارئ أن ينفجر غيظاً من صفاقة السيد، يواصل تشيخوف إعمال مشرطه في وعي المربية البليد؛ فيستجيب جسدها بـأعراض سريرية تتصاعد تدريجياً: تحمرّ وجنتاها خجلاً، تعبث بأهداب فستانها، تغرق عيناها بالدموع، يرتعش ذقنها، وتسعل بعصبية، لكنها لا تنبس بكلمة. عبر هذه الابتزازات المتتالية، يقيس تشيخوف مستوى تجلط الإرادة لدى يوليا ليستكشف مدى استفحال الداء في الجنس البشري. وعندما ينقدها في النهاية أحد عشر روبلاً فقط من أصل ثمانين، تأخذها بيد مرتعشة وتهمس: شكراً.

هنا ينقلب الموقف؛ يستشيط السيد غضباً ويصرخ

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح