عنف الجامعات الأردنية إذ يذكر بغالب هلسا

65 مشاهدة
للروائي الأردني غالب هلسا مجموعتان قصصيتان فحسب إحداهما بعنوان زنوج وبدو وفلاحون وهي فاتنة حقا وكتبها مثل الأخرى وديع والقديسة ميلادة وآخرون في خمسينيات القرن الماضي في مصر وليس الأردن ويرصد فيهما الانتقال العسير للمجتمع من البداوة إلى المدينة بحفر عميق بالغ الإمتاع أيضا في الشخصية الأردنية إذا جاز الوصف وهو ما لم يقيض لهلسا الذي يعتبر من كبار الروائيين العرب في تاريخ السرد معرفة مآلاته وأقصد الانتقال المجتمعي العسير فالرجل الذي لم يعد إلى بلاده منذ خرج منها كان محكوما بهواجسه لا أصوله بهويته الإبداعية لا الوطنية ما جعله مصريا وجزءا أصيلا من حركة السرد هناك وخصوصا اندفاعة الستينيات والسبعينيات بأوديبيتها العنيفة في التجريب ردا على هيمنة السرد المحفوظي وصعوده المذهل في تلك الحقبة كما أن بإمكانك اعتباره سوريا وعراقيا وفلسطينيا إذا شئت ورغم ذلك فإن أي قراءات عميقة عابرة للحقول المعرفية تتوخى فهم الشخصية الأردنية في أيامنا هذه لا يمكنها القفز عن ذلك الكاتب الاستثنائي وخصوصا مجموعته زنوج وبدو وفلاحون التي نشرت في منتصف السبعينيات أي بعد نحو عقدين من كتابتها لماذا يستحضر هلسا الآن لأن ثمة ماض يلقي بثقله على حاضر البلاد وينقض عليه إنه يغزوه ويعيث فيه خرابا في سعيه لإعادة المجتمع إلى ما قبل الدولة إلى الزنوج والبدو والفلاحين كأن عقودا من التحديث والعمران الذي لم يتوقف يوما عن التوسع غير كافية لتغيير بنيوي حقيقي وأصيل في الشخصية لذلك لم يفاجأ كثيرون بآخر مشاجرة جماعية في الجامعة الأردنية وهي أم الجامعات في الأردن ويعود تأسيسها إلى عام 1962 أي إلى سنوات ما قبل ولادة آباء الطلاب الذين أحالوا شوارع هذه الجامعة العريقة إلى ميدان غزو وفتوحات وحروب لا معنى لها ولا يعرف بعد لماذا انتكست البلاد فأصبحت ستينياتها أكثر تحضرا من راهنها لكن ما يعرف أن الجامعة الأردنية نفسها قد تصلح حالة لدراسة هذا التحول المؤسف فهي أنشئت على مساحة ضخمة من الأراضي الزراعية الخصبة في العاصمة عمان وأصبح الخصب صفة من صفاتها فقد شهدت خصبا إبداعيا غير مسبوق ويبدو أنه لم يتكرر للأسف في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته وثمة عدد كبير من كبار الكتاب الأردنيين من خريجي تلك الحقبة التي أنتجت أيضا عددا من أهم المسرحيين الأردنيين وكان هناك مسرح وندوات فكرية وأدبية ومؤتمرات وحركة طلابية لكن ذلك كله بدأ يتراجع إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه يدافع مسؤولو الجامعة عن أنفسهم بأن أسباب العنف لا علاقة لها بالجامعة فليس ثمة إجراء داخلي تسبب أو يتسبب بذلك وهذا صحيح جزئيا فالأسباب تعود إلى ما لم تفعله الجامعات لا إلى ما فعلته بمعنى تراجعها عن دورها المفترض مختبرا للمعرفة والحداثة والتحديث وقصر دورها على إنتاج متعلمين وهذا بالضبط ما أدى بالإضافة إلى أسباب أخرى تتعلق بسقوف الحريات المنخفضة والآخذة بالانخفاض أكثر فأكثر إلى صعود تشكيلات ما قبل الدولة في المجتمع مجددا وبقوة أجريت الانتخابات النيابية الأخيرة وفق قانون انتخابي جديد كان الهدف منه تغليب الحزبية على العشائرية وإن برفق لكن ذلك لم يغير شيئا في البنية نفسها لذلك وجدت من يذبح النوق في الشوارع ويتغنى بهذا الفخذ دون ذاك من العشيرة نفسها وهو يرتدي ربطة عنق ويتابع أخبار البورصة في نيويورك ومرد ذلك أن نوافذ التغيير تهندس بما لا ينسجم مع البديل المفترض وهو رفع سقف الحريات فلا يستقيم قانون عصري لتغليب دور الأحزاب مع إجراءات على الأرض تسعى لتأبينها أو لا تحتملها أصلا فتقيدها ما يلجئها إما إلى العنف ونراه في الجامعات ومواقف الحافلات أو من خلال انبعاث تشكيلات ما قبل الدولة باعتبارها الملاذ الوحيد الآمن والمضمون أصبح لدينا نحو ثلاثين جامعة يا غالب ومولات وسيارات حديثة لا تراها إلا في شوارع دول الخليج الثرية لكن شيخ العشيرة الذي وصفته في زنوج وبدو وفلاحون ما زال هو نفسه وإن خلع عباءته وأصبح يفتتح الصالونات ويرعى الأمسيات الثقافية وحفلات توقيع الكتب لا مسارح في الجامعات يا غالب ألعلها علامة على الرخاوة في مجتمعات تأخذ حقوقها بالسيف والحديد والنار أنت تعرف هذه الأشياء يا رفيق

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح