عمل شاق لتنظيف الحجارة شباب غزة يبحثون عن الأمل

63 مشاهدة
ينحني الشاب الفلسطيني كريم سعد 28 عاما فوق قطعة من الحجارة الإسمنتية تسمى محليا البلوك ممسكا بمطرقة في يد وإزميل معدني صغير في اليد الأخرى داخل أرض فارغة في وسط مدينة غزة تحولت إلى ورشة مفتوحة لتنظيف الحجارة المستخرجة من تحت الركام وإعادة الحياة إليها يطرق سعد بحذر ضربة تلو أخرى وكأنه لا يزيل بقايا إسمنت عالقة فحسب بل ينتزع آثار الدمار عن ذاكرة الحجر هذه المهنة التي لم تكن معروفة بهذا الشكل قبل الحرب أصبحت اليوم مصدر رزق قاس لعشرات الشبان الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع يفرض عليهم العمل في إعادة تأهيل ما دمرته الغارات قطعة قطعة وبينما تتجاوز معدلات البطالة حاجز 80 وترتفع نسب الفقر إلى أكثر من 90 يجد آلاف الغزيين أنفسهم بلا دخل ثابت في واقع اقتصادي هو الأصعب منذ سنوات طويلة تبدأ رحلة هذه الحجارة من بين أنقاض المباني المقصوفة حيث يجمعها الشبان من الركام بعد فصلها عن الحديد المحترق والغبار المتراكم تكون قطع البلوك غالبا مشوهة ملتصقة ببقايا إسمنت قديم أو محاطة بحواف مكسورة ما يجعل إعادة استخدامها مستحيلة دون تدخل يدوي دقيق هنا تبدأ المرحلة الأكثر مشقة حيث يجلس الشاب على الأرض أو فوق كومة من الحجارة يثبت قطعة البلوك أمامه ثم يضع الإزميل على الحواف المتصلبة ويوجه ضربات محسوبة بالمطرقة لتقشير الطبقات الزائدة nbsp يقول كريم سعد لـالعربي الجديد وهو يمسح العرق المختلط بغبار الإسمنت عن جبينه في البداية كانت يداي تؤلماني كثيرا ولم أكن أعرف كيف أضرب دون أن يتكسر الحجر كله كنت أخسر قطعا كثيرة لكنني تعلمت مع الوقت كيف أسمع صوت البلوك وهو يتشقق وكيف أتحكم في قوة الضربة يضيف سعد بنبرة مرهقة بفعل العمل الشاق المتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة خلال ساعات النهار وتأثيرات الجوع والعطش بفعل الصيام نحن لا ننظف حجارة فقط نحن نحاول أن نوفر لنا ولغيرنا فرصة لبناء غرفة أو جدار يحمي عائلة من البرد والخوف ويتحدث شقيقه إياد سعد عن الدافع الذي يجعلهم يواصلون هذا العمل الشاق يوميا بقوله قبل الحرب كنا أنا وشقيقي نبحث عن أي عمل بسيط لنساعد أسرتنا أما اليوم فنشعر بأن ما نفعله له معنى أكبر كل قطعة ننجح في تنظيفها تعني مالا نشتري به طعاما وتعني أيضا جدارا قد يبنى من جديد صحيح أن العمل متعب لكن التعب أهون من الجلوس بلا حيلة أمام الركام ويتطلب هذا العمل تركيزا وصبرا طويلين فكل ضربة خاطئة قد تتسبب في تشقق البلوك بالكامل ما يعني خسارة جهد طويل وقطعة يمكن أن تستخدم مجددا ومع مرور الوقت تتحول هذه العملية إلى مهارة مكتسبة حيث يتعلم الشاب كيف يميز بين الإسمنت الصلب الذي يمكن إزالته والجزء الذي يشكل هيكل البلوك نفسه nbsp في منطقة أخرى إلى الغرب من مدينة غزة يقف الفلسطيني حامد أبو العيس 31 عاما الوقفة ذاتها ويعمل في تنظيف البلوك منذ أشهر ويقول لم أتخيل يوما أن أعمل في تفكيك آثار القصف بيدي في كل مرة أمسك فيها المطرقة أشعر بثقل كبير فهذه الحجارة كانت يوما جدران بيوت مليئة بالحياة يوضح أبو العيس لـالعربي الجديد أن أصعب ما في العمل ليس الجهد البدني فقط بل المشهد النفسي المصاحب له مضيفا أحيانا نجد بين الركام بقايا أبواب أو نوافذ أو صور فأدرك أن خلف كل حجر قصة عائلة ويدفع هذا المشهد أبو العيس ليكون حريصا أكثر كأنه يتعامل مع شيء له روح ويؤكد أن الدخل المتواضع الذي يجنيه من تنظيف البلوك يساعده في إعالة أسرته المكونة من خمسة أفراد لكنه يرى في عمله أيضا مساهمة مباشرة في إعادة إعمار ما يمكن إنقاذه ورغم بساطة الأدوات المستخدمة مطرقة وإزميل فقط إلا أن العبء الجسدي هائل فالشبان يقضون ساعات طويلة في وضعيات مرهقة تحت أشعة الشمس أو في العراء وأيديهم تتعرض للاهتزاز المستمر ما يسبب آلاما في المفاصل وتشققات في الجلد بعضهم يلف قطعة قماش حول يده لتخفيف حدة الاحتكاك ولا تقتصر أهمية هذه المهنة على كونها مصدر دخل بل تتجاوز ذلك إلى كونها جزءا من دورة إعادة الحياة إلى المكان فبعد تنظيف البلوك يتم تكديسه بعناية ليصبح جاهزا للاستخدام في بناء جدران جديدة أو إصلاح مساكن متضررة هكذا تتحول الحجارة المدمرة إلى أساس لمأوى جديد في عملية تحمل بعدا رمزيا عميقا حيث يصبح الدمار نفسه مادة لإعادة البناء nbsp أما الشاب عوني أبو جزر 22 عاما فيصف يومه بأنه سلسلة طويلة من الضربات المتكررة لكنه يبتسم وهو يضيف مع الوقت تتعود يداك على الاهتزاز أعرف من رنة الضربة إن كانت القطعة ستنجح أم ستتصدع ويشير أبو جزر في حديث لـالعربي الجديد إلى أن أولويته الآن هي توفير لقمة العيش ويقول عندما أرى جدارا يبنى من حجارة جرى تنظيفها يدويا أشعر بأنني ساهمت في تخفيف الألم ولا تبدو المطرقة في هذا المشهد مجرد أداة بل رمزا لمحاولة استعادة ما يمكن استعادته وكل قطعة بلوك يتم تنظيفها ليست مجرد حجر بل شهادة على قدرة الإنسان على تحويل آثار الدمار إلى بداية جديدة وعلى إصرار شبان غزة على إعادة بناء حياتهم حتى عندما يبدأ البناء من بين الأنقاض

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح