في عمق المشهد الليبي
في عمق المشهد الليبي، الآني والراهن، يتجاوز الانسداد السياسي والفراغ الأمني ومعضلة الشرعية الداخلية فكرةَ وجود جسمَين متنازعَين في الشرق والغرب، أو حتّى تقاسم السلطة. بل هناك واقع أكثر تعقيداً، خصوصاً في السنوات الماضية من عمر الأزمة الليبية. يمكن أن نطلق على هذا الواقع أو أن نسمّيه التكيّف الوظيفي مع حالة غياب شرعية الدولة والقوانين الناظمة لها، فلا دستور حاكم يُرجع إليه، ولا اتفاق حقيقي يمكن البناء عليه، لتكون النتيجة شرعيات هجينة تُنتجها اللحظة وتغذّيها المصالح الضيّقة، إذ تشتغل الأجسام الحاكمة، التشريعية منها والتنفيذية، بمختلف أطيافها، في إعادة إنتاج نفسها سنوات متتالية عبر اتفاقات لا تنطلق من القاعدة الشعبية، بل ربّما تكون على النقيض من ذلك، لتكون النتيجة تآكل الشرعية القائمة على اختيارات الشعب واستبدالها بشرعية الأمر الواقع، لندخل في صلب حالة من استقرار الفوضى، فلم يعد أيّ طرفٍ يسعى إلى إلغاء الآخر، بل يتّجه الجميع إلى التعايش في مساحة رمادية تضمن الاستمرار للكلّ على حساب مفهوم الوطن والمواطن، وعلى حساب تجديد الشرعية بدلاً من اختزالها في أجسام انعدمت شرعيتها منذ سنوات وسنوات.
يتّجه الجميع في ليبيا إلى التعايش في مساحة رمادية تضمن الاستمرار للكلّ على حساب مفهوم الوطن والمواطن
وفي الجهة المقابلة، نرى أنّ هذا الانقسام بجوانبه السياسية والاقتصادية كلّها يغذّيه اقتصادٌ يُدار بعقلية العناية المركّزة، لتعيش البلاد على شريان وحيد وهو النفط، فتدار عائداته بجسم متهالك ومريض، لا يقوّم اعوجاجه ولا يشفيه من مرضه الانقسام السياسي، بل صارت الثروات النفطية وعائداتها منحة بقاء وليست أداةً للتنمية، بل ربّما (أبعد من ذلك) لتكون أداةً من أدوات الضغط السياسي والمناكفات الملازمة له، ليتحوّل إلى نموذج من نماذج الصراعات السياسية والسيطرة على موارد للدولة، بمفهوم يتعدّى الدولة وبنيانها وقوانينها الناظمة، ليجعل من المواطن مستهلكاً عاجزاً في بلد يمتلك مقوّمات الثراء كلّها، لكنّه يحتضر مالياً بسبب غياب الرؤية الكلّية للدولة في غياب شرعيتها التشريعية والتنفيذية الحقيقية.
وفي المقابل، لم تكن الاستهدافات أخيراً، التي شهدتها مدينة الزاوية، وتحديداً تلك التي طاولت منشآت حيوية
ارسال الخبر الى: