عقل لاريجاني

30 مشاهدة

تبدو السياسة أو الحرب من خلال بعض العقول أسلحةً لا تصلح إلا لخطف الغنائم؛ فيما تتجلّى عبر عقول أخرى مثل سجّادٍ يُحاك على مهل حتى يحيط بأهداف صانعه. نظرتان إلى السياسة والحرب التقتا بشكل فاجع إبان الحرب في المنطقة، وكانت لحظتها الأكثر كثافة حين التقى صاروخ إسرئيلي بعقل علي لاريجاني.

صدّر هذا الإيراني منذ عقود صورة مختلفة عن رجل السياسة، فقد تحرّك داخلياً وسط عبوات أيديولوجية، وتحرّك أيضاً في مسالك دولية معادية لطموحات بلاده، دون أن تفارقه هيبته وأناقته. لم تكن كلمة السر في ذلك غير البناء المتفرّد لشخصيته التي لم يكن فيها الاشتغال بالسياسة غير سطح بحرٍ عميق. ولذلك لا يُختزل علي لاريجاني في سيرة رجل دولة تقلّد المناصب بل يُقرأ كحكاية عقل كانت له مواعيد معرفية كثيرة قبل الوقوف عند مواقع القرار.

استفاد أوّلاً من نشأته في أحد بيوت العلم لأسرة ثرية فوجد في مكانة والده في الحوزة الشيعية سنداً، وفضلاً عن ذلك رفقة إخوة سيبلغون هم أيضاً مراتب في العلم والحكم. لم يختر علي شاباً أن يبني على ميراث الأسرة في العلوم الدينية بل فضّل أن يعود إلى تقليد معرفي عريق بالبدء بتكوينٍ في الرياضيات وكأنه يأخذ بنصائح الفارابي وابن سينا بدخول مغامرة المعرفة بعد ترويض العقل وتدريبه على الصبر على التعقيد حتى يظهر داخله نظامٌ للأشياء. وحين تدخل هذه العقول إلى السياسة لاحقاً فهي ترتّب وتوازن حيث يندفع الآخرون في اتخاذ القرارات.

سينتقل لاريجاني بعدها إلى الفلسفة بحثًا عن طبقة أعمق من الفهم بما توفره من أدوات للشك في الإجابات السريعة. وليس اختيار التخصّص في فلسفة كانط اعتباطاً بالتأكيد، إذ يتيح له أن يرى تشكّلاً فكرياً مبكراً للحداثة الغربية التي أتت لاحقاً إلى أرض فارس تطلب الهيمنة. وإلى ذلك كان كانط لحظة التقاء بين اكتمال صرامة العلم وانفتاح المعرفة على التاريخ الحي بما ينجر عن ذلك من ضرورة تأسيس جديد للأخلاق والقيم المشتركة. وعند تلك النقطة تصبح السياسة امتداداً طبيعياً للمسافة الفكرية التي قُطعت.

في

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح