أيام عصيبة لاقتصادات الخليج النفط والتجارة في مرمى الصواريخ
85 مشاهدة
أيام عصيبة تلك التي تمر على دول الخليج في أحد أكثر الأوقات توترا في تاريخ المنطقة إذ تشهد تصعيدا عسكريا غير مسبوق للحرب بين أميركا وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر التي امتدت صواريخها ومسيراتها من قواعد عسكرية ومطارات في دول عربية إلى موانئ تجارية حيوية في سلطنة عمان والإمارات لتصل إلى منشآت أرامكو النفطية العملاقة في السعودية وتعرضت مصفاة رأس تنورة في أرامكو السعودية أمس الاثنين لهجوم بطائرة مسيرة إيرانية أدى إلى إشعال حريق صغير جرت السيطرة عليه لكنه أدى إلى إغلاق المصفاة ووقف الأعمال على نحو احترازي في تطور ينبئ بتكلفة اقتصادية كبيرة قد تمتد إلى الأسواق العالمية وجاء هذا التصعيد بعد هجمات مكثفة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل على أهداف داخل إيران ليطلق النظام الإيراني سلسلة من الضربات بالصواريخ والمسيرات على دول خليجية وشمل التصعيد أيضا أول استهداف مباشر لميناء تجاري في سلطنة عمان الدقم وناقلة نفط قبالة سواحلها وامتدت التطورات من حد العنف العسكري إلى الاقتصاد البحري الحيوي لدول الخليج إذ أفادت تقارير بأن عددا من ناقلات النفط التجارية توقفت عن الإبحار عبر مضيق هرمز بعد إعلان إيران عن إغلاق الممر المائي الحيوي ما دفع شركات الشحن إلى إعادة توجيه سفنها إلى طرق بديلة أطول أو تعليق رحلاتها نهائيا حتى يتضح مصير النزاع حسب ما أوردت وكالة بلومبيرغ مشيرة إلى أن التوقف في الملاحة أدى إلى ارتفاع ملحوظ في مخاطر الشحن البحري وتوقعات بارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري كثيرا في الأيام المقبلة كما جاء استهداف مصفاة رأس تنورة النفطية ليضيف بعدا جديدا للأزمة إذ تحتل المصفاة مكانة حيوية كأحد أكبر مراكز تصدير النفط في العالم وتشغل مصهرا بطاقة 550 ألف برميل يوميا كما تضم المنطقة ميناء لتصدير الخام والمنتجات المكررة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية ما يجعل أي توقف جزئي في العمليات يترجم إلى تأجيلات في شحنات النفط وارتفاع تلقائي في تكاليف النقل والتأمين وتكبيد السعودية خسائر كبيرة في إيراداتها النفطية وسط مخاوف من امتداد الضربات الإيرانية إلى منشآت نفطية وغازية في دول خليجية أخرى حسب محللين ويعيد هذا التصعيد إلى الأذهان مخاطر سابقة على البنية النفطية السعودية لكنه يضيف الآن بعدا جديدا يرتبط مباشرة بثقة المستثمرين في بيئة الإنتاج في الخليج التي تظهر هشاشة أكبر في مواجهة الهجمات الموجهة إلى المنشآت الرئيسية حسب تقرير نشرته وكالة رويترز ولا تقتصر التداعيات على قطاع الطاقة فحسب إذ أظهرت بيانات رسمية تعليق العديد من الرحلات الجوية التجارية في الإمارات وسلطنة عمان نظرا لإغلاق المجال الجوي كإجراء احترازي ما وضع ضغوطا إضافية على قطاع السياحة والنقل الجوي الذي يعد ركيزة مهمة في اقتصادات مثل دبي وأبوظبي ومسقط فمثل هذه الإجراءات الاحترازية رغم كونها لحماية المدنيين تزيد من الخسائر الاقتصادية الفورية وتعمق حالة عدم اليقين في الأسواق ما يمثل تهديدا محدقا باقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي حسب إفادة خبيرين لـالعربي الجديد ويعزز من هكذا أثر بقاء احتمال استهداف منشآت نفطية أخرى في الخليج على نطاق أوسع خاصة أن السيناريوهات التحليلية الغربية تشير إلى أن إيران تمتلك القدرة على مهاجمة مصانع التكرير ومحطات المعالجة ومرافئ التصدير في أكثر من دولة من خلال مزيج من الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق السريعة حسب تقرير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن CSIS الخليج وسلاسل الإمداد البحرية في هذا الإطار يرى الخبير الاقتصادي بمكتب استشارات في لندن علي متولي أن التطور الراهن يرفع مستوى المخاطر من مجرد توتر جيوسياسي إلى تعطل لوجستي ملموس إذ امتد نطاق الاستهداف ليخرج عن مسرح المواجهة المباشر ليشمل ميناء الدقم التجاري وناقلات النفط قرب السواحل العمانية إذ تعرضت الناقلات لضربات بطائرات مسيرة وأسفر ذلك عن إصابات بين الطواقم وتضرر سفن أخرى في الخليج ما أدى إلى تعليق حركة أو رسو أكثر من 200 سفينة انتظارا لتقييم المخاطر وهو ما يضغط فورا على سلاسل الإمداد البحرية عبر إبطاء الحركة وتأخير الجداول حتى قبل أي إغلاق رسمي للممرات ويضيف متولي أن تداعيات الأزمة تظهر بأسرع وأوضح صورة في قطاعي التأمين والشحن إذ كانت أجور ناقلات الخام بين الشرق الأوسط وآسيا قد بلغت مستويات قياسية منذ عام 2020 تجاوزت فيها تكلفة بعض الناقلات العملاقة 200 ألف دولار يوميا ومع الضربات الأخيرة يتوقع ارتفاع أقساط التأمين الحربي في الخليج بنسبة تتراوح بين 25 و50 ما سيرفع تكلفة كل شحنة ويدفع خطوطا ملاحية كثيرة لتأجيل رحلاتها أو إعادة تموضعها وهو انعكاس يؤكد متولي سلبيته ليس على النفط العالمي فحسب بل على موازنات الخليج أيضا وتأتي أهمية دخول سلطنة عمان ضمن نطاق الاستهداف من زاوية ثقة المستثمرين حسب متولي موضحا أن الدقم التي كانت جزءا حيويا من البنية اللوجستية الخليجية المرنة يشهد محيطها الآن رفعا لعلاوة المخاطر على المدى القريب ما يدفع المستثمرين لإعادة تسعير مخاطر التنفيذ والتأمين والتعطل والاعتماد على الممرات البحرية الحساسة وهو ما يخصم مؤقتا من جاذبية المشاريع القائمة على الاستقرار التشغيلي الذي كان سمة للاستثمار الخليجي في الموانئ والطاقة وعلى الرغم من ذلك يبين متولي أن الاقتصادات الخليجية تظل مدعومة نسبيا بتوقعات نمو لدول المجلس بنحو 4 4 5 في عام 2026 مدفوعة بالأنشطة غير النفطية إلا أن السيناريو الأرجح للربع القادم في حال استمرار التصعيد حسب تقديره هو نمو أبطأ قليلا دون انهيار عام إذ ستستفيد الدول المصدرة للنفط ماليا من ارتفاع الأسعار لكن هذه المكاسب ستتآكل جزئيا بفعل ارتفاع كلفة الشحن والتأمين وتذبذب الصادرات مع كون القطاعات الأكثر عرضة للخطر هي الخدمات اللوجستية والتجارة والطيران والصناعات كثيفة الاستيراد حسب متولي الذي يخلص إلى أن صدمة الحرب على إيران تحولت من أزمة ركود محتملة إلى صدمة تكلفة ومخاطر مؤقتة ما لم يتحول التعطل إلى إغلاق طويل للممرات القادم ضربة لصلالة في السياق يشير الخبير الاقتصادي العماني خلفان الطوقي لـالعربي الجديد إلى أن التأثير الاقتصادي للحرب يتركز أساسا في شريانين حيويين بالتجارة الدولية وهما مضيق هرمز والبحر الأحمر متوقعا أن يشهد المضيق اضطرابا كبيرا في حركة الملاحة وسلاسل الإمداد بينما يبقى التأثير المباشر لذلك على ميناء الدقم محدودا جدا ورغم خطورة الموقف يتوقع الطوقي ألا تمتد حالة الربكة والاضطراب في منطقة الشرق الأوسط لأكثر من ثلاثة أسابيع مشيرا إلى أن السلطنة تمتلك احتياطيات استراتيجية من المواد الغذائية والسلع الأساسية تكفي لمدة ستة أشهر ما يحول دون حدوث تضخم كبير أو نقص في الاحتياجات المعيشية للمواطنين خلال هذه الفترة الحرجة ومن الجانب الآخر ستستفيد دول الخليج المنتجة للنفط والغاز من الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة الناتج عن انقطاع سلاسل الإمداد وإغلاق المضائق ما يعوض جزئيا عن التحديات اللوجستية وهو ما يراه الطوقي ميزة نسبية للدول المصدرة في ظل الأزمات الجيوسياسية وتبرز أهمية ميناء الدقم كونه بوابة بديلة وآمنة للتوجه نحو أسواق شرق آسيا الكبرى مثل الهند والصين وكوريا واليابان بعيدا عن بؤر التوتر في البحر الأحمر ما يجعله خيارا استراتيجيا لضمان استمرار حركة التصدير دون تأثر يذكر بالضربات الحالية حسب ما يؤكد الطوقي غير أن الطوقي يحذر من احتمالية توسع نطاق الاستهداف ليشمل مصالح أميركية أخرى في السلطنة وتحديدا في منطقة صلالة ومينائها الحيوي الذي قد يكون أكثر عرضة للتأثر مقارنة بالدقم في حال تصاعد وتيرة الضربات