عصر البكاء
يختار ناجي نجيب عنواناً لمؤلفه هو كتاب الأحزان، والهدف من ذلك مناقشة قضية البكاء والدموع في الفن والأدب العربي في العصر العربي الحديث، استناداً إلى الشعبية الهائلة التي نالها كاتب مثل مصطفى لطفي المنفلوطي في بداية القرن العشرين. وللكتاب عنوان فرعي هو فصول في التاريخ النفسي والوجداني والاجتماعي للفئات المتوسطة العربية.
السؤال الذي يتبادر بعد قراءة الكتاب هو: لماذا كان الحزن رفيقاً أو صاحباً لحياة تلك الفئات العربية في بدايات القرن العشرين، أو نهايات القرن التاسع عشر؟ وهل انتهى حزنها؟
اللافت أن كاتباً مثل المنفلوطي هو الذي استطاع أن يُعبّر عن أحزان تلك الفئات من خلال القصص والروايات، إذ إن المشترك بين الكاتب وجمهور القراء، بحسب ناجي نجيب، هو ضعف القدرة على مواجهة الواقع، بحيث يبدو الأدب، أو الرواية والقصة هنا، هو الشكل القادر على التعبير عن هذا الضعف، والتعويض عنه في الوقت نفسه.
لماذا كان الحزن رفيقاً لحياة تلك الفئات العربية في القرن العشرين؟
يتجسّد شعور الضعف عند الفئات الوسطى العربية في أنها، ضمن المجتمع المستعمَر (وقد أضحى العالم العربي كلّه مستعمَراً في بدايات القرن العشرين، أي زمن الكتابة المنفلوطية)، لا تملك أي تأثير في حياتها، ولا في التغيير في المجتمع، ولا في الظهور على مسرح الحياة والأحداث، أو التعبير عن الذات، وإشباع المشاعر الفردية المتفتّحة، وهي جميعها تطلعات لا سبيل إلى تحقيقها تحت ظروف التأخر والاستعمار. بل إن الاقتصاد الاستعماري المتحالف مع الإقطاع أغلق أمامها أبواب الصعود والتحرر. لهذا، بدأ العصر العربي الحديث باكياً.
ثمة نقد يوجَّه إلى المسرحيين وحدهم، أي إلى المسرح الميلودرامي، الذي أكثرَ من مشاهد الموت والحزن على الخشبة، غير أن استجابة الجمهور العربي لمسرح الدموع هي الظاهرة التي يجب أن يوجَّه إليها النقد، وأن تُدرَس في أي علم من علوم الاجتماع، على غرار ما فعل ناجي نجيب في كتابه. فالاستجابة الجماهيرية الواسعة لكاتبٍ ما لا تتعلق بالمستوى الإبداعي لمؤلفاته فقط - كي لا نظلم أحداً - بل بالمعاني أو التوجّهات التي يعمل على
ارسال الخبر الى: