عصام مشهور عندما تكون المعلا وطنا والرفيق أبا

يمنات
أ.د محمد فاضل الفقيه
ثمة وجوه يكتبها القدر في صفحاتنا لا لتمضي، بل لتقيم في الذاكرة كوشمٍ لا يُمحى.
في قلب عدن، وتحديداً في “شارع السواعي” بالمعلا، يسكن طيف رجلٍ كان يُدعى عصام مشهور؛ إنسانٌ لم تمرّ ذكراه يوماً إلا واقشعرّ لها وجدان الوفاء.
حين كنا شباباً، أنا وزميلي الدكتور منصور القاضي، لم نكن نملك من حطام الدنيا الكثير، لكننا مَلَكنا حينها صداقة رجلٍ وهبنا سكنه الشخصي، وفتح لنا أبواب حياته دون قيد أو شرط.
لم يكن عصام مجرد “رفيق” في تجربة الحزب الاشتراكي، بل كان تجسيداً حياً لقيمٍ ظننا أنها لا توجد إلا في بطون الروايات؛ كان “الطهارة” في زمن التلوث، و”الصفاء” في لُجّة الصخب.
الجغرافيا التي تلاشت أمام الإنسان
اليوم، حين يداهمني السؤال المرّ:
“من أي قرية هو؟”
أجدني أتلعثم بمرارة.
كيف غاب عنّا، وسط غمرة الامتنان، أن نسأله عن مسقط رأسه؟
كنا نعرف أنه من تعز، وكفى بتلك المحافظة فخراً أن يكون هذا النقيّ أحد أبنائها.
لكن الحقيقة أن السؤال حينها كان يبدو نافلاً، بل وبلا قيمة؛ فالانتماء في حضرة عصام مشهور كان يُقاس بمدى العطاء لا بحدود الخارطة، وبصدق الموقف لا بأسماء القرى.
لقد كان هو القرية والمدينة والوطن.
إن عدم سؤالي له عن قريته لم يكن غياباً للاهتمام، بل كان ذروة الحضور؛ فقد ذابت في حضور عصام كل التوصيفات الجغرافية، ولم نعد نرى فيه إلا الإنسان الكوني.
لم نكن بحاجة للبحث عن جذوره في الأرض، لأن ثماره كانت تظللنا بالفعل.
رحيلُ “آخر الطاهرين”
استشهد عصام في حرب 94، ليرحل معه جزءٌ من طهر ذلك الجيل الذي آمن بالإنسان قبل الأيديولوجيا، وبالصديق قبل المصلحة.
رحل تاركاً وراءه “غرفة” في المعلا، صارت في ذاكرتنا معبداً للنزاهة، ومزاراً لذكرى رجلٍ لم يسألنا يوماً من أين أتينا، بل كان همه الوحيد أن نجد مكاناً نأوي إليه.
إن الخجل الذي يعتريني اليوم لعدم معرفة “قريته” هو في الحقيقة انحناءة إجلال لروحه؛ فقد كان عصام مشهور أكبر من أن يُحصر
ارسال الخبر الى: