عشبة الخلود البلاستيكية
انتهت يوم الجمعة 15 أغسطس/ آب الجاري، في جنيف، قمّةٌ دوليّةٌ أخرى، فشلت في التوصّل إلى معاهدة عالميّة بشأن البلاستيك. والأصوبُ أن نقول انطفأت هذه القمّة، مثلما تنطفئ شمعةٌ على كعكة مسمومة. لا قرار. لا اتفاق، ولا حتى وعداً أجوف يُلوَّح به في بيان صحافيّ. لا شيء باستثناء صوت قوارير بلاستيكية تتدحرج في الريح، ومن خلفها تصفيقٌ من ابتكار الذكاء البتروكيميائيّ. وقد يكون من الجائز اعتبارُ نتائج هذه القمّة هزيمةً رسميّةً للعالم، لولا أنّها مثّلت في الكواليس الخلفيّة، انتصاراً ساحقاً لمجموعات المؤثّرين المكلّفة الدفاع عن الصناعات الملوّثة. بل لعلّه انتصار ساحق لكلّ من يعتقد أن إعادة التدوير تعني ترحيل القضايا ودفنَ النفايات في مكان أبعد وغير مرئيّ.
إنّه فشلٌ ذريعٌ للكوكب، لكنّه انجازٌ باهرٌ للُّوبيات. أما داخل القاعة، فالمشهد أقربُ إلى مسرح العبث: دُوَلٌ غنيّة تتشدّق بكلماتٍ مفرغة من المعنى. تقابلها دُوَلٌ فقيرة تلوّح بخرائط وإحصائيّات واقتراحات لا يصدّقها أحد. وبين هذا الفريق وذاك تتحرّك أصابع المؤثّرين من خلف العقول، كأنّها أيدي المُنَوِّمِين المغناطيسيّين: نتفهّم مخاوفكم لكنّ النموّ الاقتصادي أقدس من رئاتكم. وتصفّق القاعة. حتى آلة القهوة البلاستيكية تُصفّق من شدّة التأثر. إضافةً إلى بطاقات الدخول، وملفّات المداولات، ومفاتيح الغرف، وكلّ وسائل العمل في هذه القمّة: كلّها بلاستيكيّة. ولا تستغرب أن يقول أحد المندوبين بثقة تامّة: التلوّث البلاستيكي يحفّز الإبداع، مشيراً إلى المنحوتات التي تصنعها الأكياس العالقة بالأشجار والقوارير الملقاة على الشواطئ. ولا أحد يسأل: كيف يمكن القضاء على البلاستيك باستعماله؟ ألا يُشبه هذا الأمرُ إطفاءَ النار بالبنزين؟
انطلق جلجامشُ الأسطوريّ في رحلة محمومة بحثاً عن عشبة الخلود. وحين خيّل إليه أنّه عثر عليها، سرقتها حيّةٌ مراوغة وأكلتها. أما في واقع الحال (كي لا نقول في أسطورتنا اليوميّة)، فجلجامش لم يعد يبحث عن العشبة الخالدة. لقد صار هو صانعها. لم يعد يطارد سرّاً ميتافيزيقيّاً، بل أصبح يحوّل البتروكيمياويات إلى خلود مُحنّط يضحك في وجه الزمن. الحيّةُ نفسُها تغيّرت. لم تعد سارقة الأسطورة الماكرة، بل أصبحت مديرة التسويق العالمي. الحيّةُ اليوم
ارسال الخبر الى: