عن عرب إسرائيل الحقيقيين
لا يتعلّق الأمر بمزايدة، بل بواقع لا سبيل إلى إنكاره، ولو اختلفنا في تفسيره: ماذا لو كنّا مكان العدو؟ جيش احتلال ينتزع أرضاً من أهلها، ويدّعي أن لديه مبرّراته، فيما لا تاريخ له هنا، ولا جغرافيا، ولا مشتركات مع محيطه الإقليمي. يحصل العدو على دعمه من الغرب، من الولايات المتحدة وأوروبا، ويعتبر نفسه دولةً أوروبية، حتى مباريات كرة القدم يلعبها هناك. وفي المقابل يؤدّي للغرب أعماله القذرة في منطقتنا، كما قال المستشار الألماني فريدريش ميرز، وهو يدافع عن جرائم إسرائيل في إيران وغيرها.
إسرائيل، بهذا المعنى، هي البديل الذي صنعه الاستعمار حين تراجعت جيوشه ولم تتراجع مطامعه. وهذه هي المهمة التي زادت المسافة بين هذا الكيان ومحيطه، فهو هنا لا للاندماج، بل للنهب والسرقة والإفشال وحراسة التخلّف. تشاركه في ذلك أنظمة استبدادية لا يعنيها من أمر شعوبها سوى مشاركة المستعمِر في نهبها، ولعق ما تبقّى من فضلاته الإبستينية. فهل يكفي ذلك كلّه لكي تستمرّ إسرائيل آمنةً في منطقتنا؟ هل يكفيها دعم الغرب وحده؟ هل تكفيها شراكة الأنظمة المحلّية ذات الطابع الاحتلالي؟ الإجابة لا. فالمنطقة تملك من أسباب المقاومة ما يدفعها، مهما طال الزمن، باتجاه مزيد من الاستقلال والكرامة. وفي هذه المنطقة من عناصر الحياة ما يتجاوز، كمّاً وكيفاً، عمر إسرائيل وداعميها. لذلك، كان لا بدّ لإسرائيل من شغل المنطقة بنفسها. فحتى التفوّق العسكري، على فداحته، لا يكفي لكسر هذه البلاد الواحدة. ولن يكسرها سوى أن تنقلب على نفسها.
خذ موقع العدو، وضع قدميك في حذائه، وفكّر. ماذا تريد؟ وكيف تصل إليه؟ شغل المنطقة بنفسها يقتضي تأليبها على نفسها، والبحث في نقاط ضعفها، وفي ثغراتها، وفي مشكلاتها الحقيقية، ثم تكبير هذه المشكلات، وتعميقها، وتأجيجها، وتفجيرها في وجوه أصحابها، وفي أفكارهم، وفي معتقداتهم، وفي صورهم عن أنفسهم وعن غيرهم. من هنا أعادت إسرائيل تدوير نفايات الاستعمار القديمة في منطقتنا: الطوائف، والأقليات، والفروق الحضارية، وأسباب الكراهية والمرارات والأحقاد... أي المشكلات الموجودة بالفعل، والقائمة بالفعل، والضاغطة بالفعل، والقابلة دائماً لمزيد من الاستثارة والحضور، حتى
ارسال الخبر الى: