عدن عشق لا ينتهي والمعلا مرافئ الروح والذات

يمنات
أ.د محمد فاضل الفقيه
في البدء كانت عدن، وكانت هي الحكاية التي لا تكتمل فصولها إلا بملوحة البحر وشموخ الجبال. لمن لم يسكن “المعلا”، قد تبدو مجرد شارع طويل يحفه التاريخ، لكنها بالنسبة لي كانت “الرحم” الذي أعاد صياغة الروح. دخلناها غرباء، نحمل في صدورنا وحشة المنافي، حتى احتضنتنا “ثانوية 14 أكتوبر”؛ هناك، وعلى مقاعدها العريقة، تبددت غربتنا، ومنحنا الزملاء والزميلات سكينةً بددت قلق النفوس، فاستحالت الغربة ألفة، واستحال الصمت حديثاً للروح لا ينقطع.
شارع السواعي: الغرفة التي اتسعت بالعالم
وفي “شارع السواعي”، كانت لنا حياة أخرى. هناك، في تلك الغرفة الصغيرة التي تقاسمتُ ضيقها مع زميلي وصديق الدرب د منصور القاضي ، كانت الكتب تحتل مساحةً أوسع من مساحتنا الشخصية. كانت جدرانها تضيق بأجسادنا لكنها تتسع بآفاق الفكر الذي كان يسكن الرفوف والزوايا. لم تكن مجرد غرفة، بل كانت مزاراً وملتقىً للأصدقاء، ومختبراً للأفكار والجدل العفوي الذي لا ينتهي. في تلك المساحة المزدحمة بالكتب والوجوه، تعلمنا أن الغنى لا يسكن البيوت الفارهة، بل في الأرواح التي تفتش عن الحقيقة.
حافون والمعلا: حيث لا تغادر الروح
وعلى مقربةٍ من هناك، في “حافون”، كان للوقت إيقاعٌ مغاير. كانت تلك المنطقة هي المستقر، والمكان الذي تشعر فيه أن روحك ترفض مغادرته مهما ابتعدت بجسدك. في أزقتها رسمنا ملامح الأحلام، وهناك كان “وقع الوجود” يتجلى في أبهى صوره. كنا نمتلك الأمكنة، نذرع شوارع المعلا كأننا ملوكها غير المتوجين، ونرسم الوجوه بكل تفاصيلها الدقيقة؛ ضحكة عابرة، نظرة شاردة نحو الميناء، أو نقاشاً حاداً ينتهي دائماً بعناق الوداد.
المعلا: أنا وهي.. صنو واحد
اليوم، وأنا أستعيد تلك الوجوه، أشعر بتوتر نفسي ينهش هذا الثبات الذي أدعيه. أدرك بوضوح أن المعلا بكامل تفاصيلها، من ضجيج شارع السواعي إلى سكون حافون، هي ما تبقى من الذكريات، بل هي أبعد من ذلك؛ لقد امتزجت بالذات حتى غدت “أنا”، وغدوتُ “هي”. كيف تحولنا من “غرباء” وجدوا السكينة في حضن بعضهم، إلى “غائبين” يقتاتون على فتات الصور؟ يا له
ارسال الخبر الى: