في مبان مهجورة وأحياء آيلة للسقوط وعلى أطراف مدن أنهكها الإهمال يحمل عراقيون كاميراتهم لا بحثا عن الإثارة بل دفاعا عما تبقى من الذاكرة خلال السنوات الأخيرة تحولت المنصات الرقمية إلى مساحة بديلة لتوثيق التراث العراقي يقودها فنانون وهواة تصوير ومهتمون بالتاريخ المحلي جعلوا من الصورة والفيديو والبث الحي وسيلة إنقاذ لا مجرد محتوى عابر هذه المبادرات تنفذ غالبا بجهود فردية وإمكانات شخصية بعيدا عن أي غطاء مؤسسي أو حماية رسمية وسط مخاطر تتراوح بين دخول مبان متصدعة ومناطق مهجورة تفتقر لأبسط شروط السلامة لكن أصحاب هذه العدسات يرون أن الخطر الحقيقي لا يكمن في انهيار جدار بل في ضياع الذاكرة الجمعية حين تختفي المعالم دون أن يلتفت إليها أحد هذا ما يؤكده الأكاديمي المختص بالسياحة ستار الجودة الذي يقول لـالعربي الجديد إنه أجرى بحثا ميدانيا أظهر ضعف معرفة شريحة واسعة من العراقيين بتاريخ بلادهم مضيفا أن هذه النتيجة دفعته إلى تقديم محتوى تثقيفي عبر مقاطع فيديو ينشرها على حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي يعرف فيها بالمواقع التاريخية والتراثية خاصة في بغداد يتابع جودة لدي رسالة توعوية أريد إيصالها للمجتمع موضحا أن الكتابة لم تكن كافية للوصول إلى جميع الفئات خاصة كبار السن ومن لا يجيدون القراءة ما جعله يعتمد الفيديو لكونه الأكثر تأثيرا ويشير إلى أن التفاعل الواسع مع محتواه يعكس نجاح الفكرة وقدرتها على كسر الحواجز التقليدية أمام المعرفة التاريخية ما بدأ على شكل هوايات فردية تطور في حالات كثيرة إلى فعل مؤثر ساهم في إعادة تسليط الضوء على مواقع منسية ودفع جهات رسمية ومجتمعية إلى الالتفات لها وساعد أيضا في تحريك السياحة الداخلية وتحويل أماكن بعيدة عن الخرائط التقليدية إلى وجهات يقصدها العراقيون بدافع الفضول والحنين أحد هؤلاء المؤثرين هو المصور عمار الهيتي من مدينة هيت غربي العراق يقول الهيتي إن مبادرته انطلقت من توثيق مدينته قبل أن يكتشف أن كثيرا من العراقيين لا يعرفون عنها شيئا ويضيف عندما بدأت بالنشر على مواقع التواصل فوجئت بتفاعل من داخل العراق وخارجه وأسئلة عن معالم مثل النواعير والمواقع القديمة التي بدت غريبة على كثيرين ومنذ عام 2015 بدأ الهيتي نشر أعماله على منصات متخصصة بالتصوير مرفقا صوره بشرح موجز عن الموقع وتاريخه ما جذب اهتمام متابعين عرب وأجانب كما أن مصورين عراقيين من مدن أخرى تواصلوا معه لتوثيق هذه المواقع ما خلق شبكة غير رسمية من المهتمين بالتراث يعملون على التعريف به وتبادل الخبرات بعد تحرير المدينة من تنظيم داعش عام 2017 عادت الفعاليات الثقافية واستؤنف مهرجان مدينة هيت السنوي حيث طالب المنظمون بإعادة تأهيل نواعير المدينة التاريخية ويقول الهيتي إن هذه المطالب وجدت صدى لدى الجهات المعنية وهو ما أدى إلى إعادة تأهيل النواعير ومحيطها قبل أن تمتد الجهود إلى مواقع أثرية أخرى واليوم تستقبل هيت مجموعات سياحية من داخل العراق وخارجه في جولات تعريفية أعادت للمدينة حضورها بحسب الهيتي الذي كان لتوثيقه أثر في ذلك أما علي كاظم 34 عاما وهو مصور مستقل من بغداد فيقول في حديث مع العربي الجديد إن دخوله عالم توثيق التراث بدأ بالصدفة حين صور أحد البيوت البغدادية القديمة قبل هدمه بساعات موضحا شعرت بأنني لم أوثق بيتا فقط بل حياة كاملة كانت ستختفي دون أثر يلفت كاظم إلى أن بعض المواقع التي يدخلها غير آمنة تماما لكنه يتخذ احتياطاته قدر الإمكان مضيفا أحيانا أدخل وحدي وأحيانا مع أصدقاء لكن في كل مرة أقول لنفسي إن الصورة التي ألتقطها قد تكون الدليل الوحيد على أن هذا المكان كان موجودا ويشير إلى أن عددا من المقاطع التي نشرها دفعت مواطنين للمطالبة بحماية بعض المواقع لافتا إلى أنه في إحدى المرات تواصلت معي جهة محلية بعد انتشار فيديو عن موقع تراثي مهجور وتمت زيارته رسميا بعد ذلك ما يعني أنني ساهمت في الحفاظ على معلم شديد الأهمية كان في طريقه للاندثار أما حسين العبيدي وهو صانع محتوى شاب فيعتمد التقاط صورة أو تسجيل مقاطع فيديو باحترافية عالية مبينا في حديثه لـالعربي الجديد أن لديه خبرة جيدة في التصوير والمونتاج ما يجعل عمله مؤثرا جدا بالمشاهدين يرى العبيدي أن هذا التفاعل خلق نوعا من السياحة الداخلية غير المخططة نحن لا نروج رسميا لكن الفضول وحده كاف الناس تريد أن ترى تاريخها فقط تحتاج لمن يدلها عليه من جانبه يركز المصور والفنان التشكيلي يوسف وليد على الجانب التوثيقي طويل الأمد وهو يشرح في دورات للمصورين الهواة حول الأثر الوطني والإنساني في توثيق تاريخ وتراث وطبيعة البلد وفق ما يقوله لـالعربي الجديد ويرى وليد أن تصوير المناطق التراثية بمختلف أنواعها والمناطق الجيولوجية والطبية وما يتعلق بها هو أرشفة شعبية تدعم بشكل كبير البحوث والدراسات فضلا عن أهميته في جذب السياحة إضافة إلى أن ذلك يزيد من تعلق الإنسان بوطنه