21 مايو ذكرى استعادة القرار وإصرار على الهدف

كتب / متعب قريقوش
في 21 مايو 1994 لم يعلن الجنوب قطيعة مع شعب، بل أعلن فك ارتباط مع مشروع حوّل الشراكة إلى غلبة، والوحدة إلى اجتياح. كان القرار صرخة وعي تقول إن الدولة لا تستمر على أنقاض دولة، وإن الشعب لا يقبل أن يُدار من خارج إرادته.
وتكمن عظمة ذلك اليوم في الجرأة على قول “لا” في وجه القوة. جرأة قيادة وشعب كسروا المحرم السياسي وأكدوا أن الوحدة لا تُفرض بالدبابة، وأن الحق لا يسقط تحت ضغط الحرب الإعلامية والعسكرية. كانت لحظة ميلاد لوعي جنوبي ناضج أعاد تعريف العلاقة على أساس الندية والكرامة، وذكّر العالم أن للجنوب قضية وتاريخاً ودولة سابقة لا يمكن تجاوزها بقرار فوقي.
لم يكن فك الارتباط مشروع انفصال عن الناس، بل فك ارتباط مع منظومة حكم ألغت اتفاقيات الوحدة وحوّلت الجنوب إلى غنيمة. كان دفاعاً عن تجربة دولة بنيت على النظام والقانون، وعن هوية ثقافية واجتماعية تستحق البقاء. ومن رحم التصالح والتسامح الجنوبي خرج هذا المشروع، فلم يكن دعوة للانتقام بل دعوة لاستعادة الحق، ولهذا وجد قبوله لدى الأجيال التي لم تعش دولة ما قبل 1990 لكنها شعرت بظلم ما بعدها.
ثلاثة عقود مرّت ولم تنطفئ الشعلة. تحوّل الإعلان إلى حراك سلمي، إلى تضحيات، إلى مجلس انتقالي جنوبي يحمل القضية على المستوى السياسي والدولي. واليوم، رغم ما تفرضه القوى المعادية للمشروع الجنوبي من تحديات وحصار وتشويه ومحاولات إرباك، يظل شعب الجنوب متمسكاً بهدفه الواضح: استعادة دولته كاملة السيادة. فالتحديات لم تُضعف الإصرار، بل كشفت أن الهدف لم يكن لحظة انفعال، بل قناعة راسخة متجذرة في الأرض والوعي.
فك الارتباط لم يكن نهاية، بل بداية طريق. هو إعلان أن الجنوب لن يكون ساحة نفوذ، ولن يقبل أن تُدار قضيته من خارج إرادته. وفي ذكراه لا نحتفي بقطيعة، بل نحتفي بوعي شعب يقول كل يوم بصوت لا يخفت: نحن أصحاب حق، وحقنا لا يسقط بالتقادم، ولا تهزّه التحديات.
منذ 28 ثانيةارسال الخبر الى: