علي عبدالمغني بطلنا الخالد
189 مشاهدة

صدى الساحل - كتب - عبدالله شروح
والشمس تتحدّر دمعة حمراء في خد السّماء، يضطجع البطل مضرجاً بدمائه جوار المدرّعة التي كانت تقلّه ليؤدي مهمته المقدّسة في حريب بمأرب.
في جسده بضع رصاصات وعدد من الشظايا، وعلى محياه ابتسامة. تمر حياته الآن أمام ناظريه. تهفهفه نسائم طفولته من هناك، من ذاك المرج الأخضر من ريف إب، من مديرية السدّة، من قريته المسقاه.
يشعر بكف أخته فاطمة تمسك بيده ليرتعا معاً في حدائق من بهجة الطفولة بقريته الجنّة. يحملق في وجه أمّه الذي لم يكف يرضعه حناناً مضاعفاً استعاض به عن احتواء أبيه الذي فقده وهو لمّا يدلف الخامسة.
ها هم المسوخ يمضون أمام ناظريه، ترتسم على ملامحهم المشوهة لذاذة نصرٍ يتوهّمونه، وها هي الدماء تشخب من جروحه لتضمخ تراب وطنه، معشوقه الأوحد، قدس أقداسه، قضيته الكبرى والوحيدة. يستمر شريط حياته يمر أمام عينيه، وعلى شفتيه الابتسامة لا تزال.
في نيعان يتلقى أول تعليمه في الكُتّاب، ذلك النوع من التعليم الغابر، حيث الكتاب لوحاً من خشب، والقلم ريشة أو فحمة والأستاذ لا يدرك ما يلي حدود قريته.
ينظر إلى نفسه والأطفال من أقرانه وكذا الكبار من أقربائه يحتفلون به في السابعة من عمره بمناسبة ختمه القرآن قراءةً.
يمر على كل تلك التفاصيل التي يعيشها طفل مُثقَل بالحرمان من دفء الأسرة المتماسكة في بلدٍ يئن تحت أطنان من الجهل والخرافة تسحقه حتى العظم.
ها هو الآن في صنعاء وعمره تسع سنوات، يتقدم لمدرسة الأيتام، ترى اللجنة المختصة للقبول أنّه مهيأ لاجتياز ثلاث سنوات دراسية. ليس طفلاً عاديّاً أبداً.
الشمس تحث خطاها نحو الأفق، وما يزال دمه ينثال ثجاجاً على تربة معشوقته اليمن. يمد كفه المضرجة بالدم، يعجن ببعض دمه قبضة من التراب. يخلطها بدمه جيّداً ويتنشقها ملء صدره، ملء قلبه المفعم بالوطنية والإباء.
يلتقي بالمناضل جمال جميل وعمره إحدى عشرة سنة، قبل أيّام فقط من ثورة 48، بعد مضي سنتين من دراسته بمدرسة الأيتام. يقرّبه المناضل الكبير ويسأله: فيمَ تكون السعادة يا
ارسال الخبر الى: