عبدالباري طاهر مخضرم الثقافة والسياسة وأستاذية الفكر والصحافة

يمنات
أمين الجبر
ما أصعب أن يكتب المرء عن قامة فكرية وثقافية يدرك، قبل أن يشرع في الكتابة، أن تجربتها أوسع من أن تحيط بها الكلمات، وأن معرفتها أعمق من أن تستوعبها العبارات. فثمة شخصيات لا تمثل مجرد سيرة ذاتية، وإنما تختزل مرحلة كاملة من الوعي الوطني والثقافي، وتغدو الكتابة عنها أقرب إلى محاولة الاقتراب من جبل شامخ، لا إلى الإحاطة به.
ولا يكمن هذا الشعور في تواضع الكاتب فحسب، وإنما في إدراكه أنه يقف أمام تجربة إنسانية وفكرية نضجت عبر عقود من الكفاح، وصقلتها المدارس الفكرية المتعددة، وهذبتها تجارب السياسة والثقافة والصحافة، حتى غدت نموذجًا نادرًا للمثقف الموسوعي الذي جمع بين عمق الفكر، ورحابة الأفق، وأخلاق الحوار، وصدق الانتماء للوطن.
ذلك هو الأستاذ الكبير عبدالباري محمد طاهر؛ أحد أبرز أعلام الفكر والثقافة والصحافة في اليمن المعاصر، والنقيب التاريخي للصحفيين اليمنيين لعقود طويلة، وصاحب الحضور الوازن في المشهد الثقافي والسياسي اليمني والعربي.
إن أول ما يلفت النظر في شخصية عبدالباري طاهر ليس غزارة إنتاجه الفكري فحسب، وإنما ذلك الاتزان الذي يطبع شخصيته، والهدوء الذي يميز حضوره، والقدرة الفائقة على الجمع بين صلابة الموقف، ورقي الخطاب، وسعة المعرفة، وتواضع العالم الحقيقي. فهو كبير العقل، واسع الأفق، رزين الطبع، مثقل بهموم المعرفة، ومهجوس بقضايا الوطن الكبرى، حتى لتبدو سيرته انعكاسًا لصورة اليمن الواحد، وتبدو ثقافته تجسيدًا لهوية اليمن الجامعة، بينما يعكس فكره إيمانًا راسخًا بثقافة السلم، والتعدد، والتعايش، والدولة الوطنية الحديثة.
وليس من المبالغة القول إن الأستاذ عبدالباري يمثل اليوم واحدًا من آخر أعمدة الجيل المؤسس للحركة الثقافية اليمنية الحديثة، وامتدادًا طبيعيًا لمدرسة الرواد الكبار الذين أنجبتهم اليمن، أمثال عبدالله البردوني، وعبدالعزيز المقالح، وأبو بكر السقاف، وجار الله عمر، وأحمد محمد نعمان، وعبدالله عبدالوهاب نعمان، وعمر الجاوي وغيرهم من أعلام الفكر والثقافة.
عرفته أولًا من خلال كتاباته الفكرية والثقافية والسياسية، قبل أن ألتقيه شخصيًا. فشدتني لغته الرصينة، ومنهجه العقلاني، وأسلوبه الهادئ، ورؤيته العميقة التي تجعل من المقالة مساحة للتفكير لا ساحة للخصومة،
ارسال الخبر الى: