عبد الوهاب الأفندي ماذا يعني أن تكون سودانيا
ينتمي كتاب عبد الوهاب الأفندي أن تكون سودانياً: تجليات تاسيتي أرض الأقواس في فضاءات الحداثة (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2026) إلى حقل الدراسات التاريخية والفكرية المعنية بإشكالية الهوية السودانية؛ غير أنه لا يتعامل مع الهوية بوصفها تعريفاً ثابتاً أو جوهراً مكتملاً ينبغي اكتشافه، ولا يحصرها في الثنائية التقليدية التي تختزل السؤال في: هل السودان عربي أم أفريقي؟ بل يتجاوز هذا الطرح إلى إعادة بناء المسار التاريخي الذي تشكّلت عبره الهوية السودانية، والكشف عن آليات الاستمرار والتحول والتفاعل التي أسهمت في صوغها عبر مراحل تاريخية متعاقبة. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه محاولة للإجابة عن سؤال أكثر عمقاً وتعقيداً من مجرد تحديد الانتماء العرقي أو الثقافي، وهو: ماذا يعني أن تكون سودانياً؟ وكيف تشكل هذا المعنى تاريخياً؟ ويمثل هذا السؤال محور الفرضية التي ينطلق منها المؤلف؛ إذ يسعى إلى تتبع الكيفية التي تبلورت بها ملامح الهوية السودانية المعاصرة، على الرغم من حداثة السودان بوصفه كياناً سياسياً مركزياً، أخذ يتشكل في صورته الحديثة منذ الغزو التركي - المصري للسودان النيلي وكردفان عام 1820. ومن ثم لا يفترض الكتاب وجود هوية سودانية ثابتة منذ البداية، بل يتعامل معها باعتبارها حصيلة عملية تاريخية تراكمية أعادت من خلالها المجتمعات السودانية استيعاب المؤثرات السياسية والدينية والثقافية الخارجية وإعادة إنتاجها في سياقات محلية.
وانطلاقاً من هذا التصور، يعتمد الأفندي في عرضه وتحليله على مجموعة من المقاطع الزمنية المنتقاة (snapshots)، التي تكشف تجليات الهوية في مراحل تاريخية متداخلة، مستعيناً بسير عدد من الشخصيات التي اضطلعت بأدوار مؤثرة في تاريخ السودان. وتتيح هذه المقاربة الانتقال من السرد التاريخي الخطّي إلى قراءة تحليلية، تتخذ من الشخصيات والأحداث والنصوص نوافذ لفهم التحولات التي طرأت على مفهوم الهوية السودانية، وعلاقات الاستمرارية والانقطاع بين حقبها المختلفة. وبذلك تصبح الهوية في الكتاب عملية تلاقح تاريخية مستدامة، لا معطى نهائياً؛ تتشكل من خلال التفاعل بين الموروثات المحلية والمؤثرات الوافدة، وبين التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدها السودان عبر تاريخه.
الكتاب أقرب
ارسال الخبر الى: