عبد الهادي بلخياط عن متوازيات المغرب والمشرق
رحل، الأسبوع الماضي، المغنّي والممثّل المغربي، ابن مدينة فاس، عبد الهادي بلخياط (1940 - 2026) عن 86 عاماً، تاركاً بصمةً غائرة في المشهد الفنّي والثقافي المغاربي، ومُكملاً مسيرةً مهنيّة بدأت مُثقلةً بالصعاب، وانتهت مُكلّلةً بالشهرة وسعة الانتشار.
عند تأمّل مشواره مقروناً بإحداثيّاته الحِقَبِيّة والجيليّة، يتبدّى مقدار المتوازيات التي تجمعه بنظراء أشقّاء على الحافة المقابلة للجغرافية الناطقة بالعربية، والمُطلّة على شرق البحر المتوسّط؛ متوازياتٌ لا تقتصر على الموهبة، بل تمتدّ إلى شروط النشأة، وأنماط الصعود، وحدود الممكن فنّياً في مجتمعاتٍ رسخت فيها القيم المحافظة.
لم يكن من اليسير على شغوفٍ موهوبٍ أن يشقّ طريقه في دنيا الغناء، في أيّ بقعة من تلك الجغرافية. لذلك، كثرت السير الفنّية التي تميّزت ببدايات غير اعتياديّة، تغلب عليها المجاهدة والمكابدة، لا سيّما إذا جاء الفنّان من طبقة اجتماعيّة-اقتصاديّة دنيا، أو لم ينتمِ إلى أسرٍ كانت الغناء حرفتها، أكان دينياً أم دنيوياً.
سيرةٌ كفاحيّة مشابهة خطّها المغنّي السوري الراحل فهد بلّان (1933 - 1997)؛ فكلٌّ من بلّان وبلخياط ابن مناطق طرفيّة، ريفيّة أو مدينيّة، فرضت عليهما الهجرة إلى المراكز الحَضَريّة الميتروبوليتيّة كي يتسنّى لهما لاحقاً امتهان الموسيقى والغناء. وكلاهما اضطرّ إلى العمل في أشغال بعيدة عن الفن طلباً للرزق؛ فبلّان اكتُشفت موهبته حين كان يعمل معاوناً لسائق حافلة، يغنّي في الطريق لتسلية الركّاب، فيما اشتغل بلخياط في سنواته الأولى في ورشة نجارة، منذ انتقاله مع عائلته إلى الدار البيضاء، ثمّ سائقاً لدى وزارة الشباب والرياضة المغربيّة، قبل أن يتمكّن الذهاب إلى القاهرة والانتساب إلى معهدها الموسيقي.
سِمَةٌ مشتركة أخرى جمعت بين بلّان وبلخياط وسائر جيل الخمسينيات والستينيات من نجوم الغناء العربي، وهي مركزيّة دور الإذاعة بوصفها مؤسّسةً رسميّة حاضنة للمواهب، ومنتِجة للفن، لا سيّما الجماهيريّ منه. فقد كفلت الإذاعة آنذاك لأصحاب الملكة والكفاءة منصّةً شبه وحيدة ينطلقون عبر أثيرها إلى الجماهير العريضة، كما أمّنت لهم، من خلال التسجيلات، مصدراً للرزق، وإن ظلّ متواضعاً نسبيّاً، إلّا أنّه وفّر حدّاً أدنى من الاستقرار المادّي والكرامة الاجتماعية.
لم
ارسال الخبر الى: