عبد العزيز محمود صوت الشوارع الضاحكة
شغل المطرب المصري عبد العزيز محمود (1914 - 1991) موقعاً خاصاً على خريطة الأصوات التي صنعت شكل الغناء خلال القرن الماضي، فقد تشكلت تجربته في منطقة وسطى، لا تنتمي كلياً إلى مدرسة الطرب الكلاسيكي التي مثلتها أم كلثوم وعبد الوهاب، ولا تذوب تماماً في تيار الغناء الشعبي الصاخب، بل نسج لنفسه مساراً خاصاً يقوم على التوازن بين الجانبين.
كان اختيار هذه المنطقة تعبيراً عن مذهب فني يرى ضرورة أن يكون الغناء جسراً بين المطرب والجمهور العريض، وأن يقدم صورة للطرب قادرة على مخاطبة مستويات متباينة داخل المجتمع المصري، ولا سيما بعد أن وصل الراديو إلى كل بيت.
ومن هنا جاء حضوره متميزاً في الإذاعة والسينما، بوصفه صوتاً جامعاً بين الخفة والرصانة، وبين العاطفة الرقيقة والنزعة الاحتفالية، ما منح اسمه مساحة ثابتة في الذاكرة الثقافية رغم المنافسة الحادة مع عمالقة عصره.
وُلد عبد العزيز محمود في لحظة كان فيها الطرب الكلاسيكي يفرض سلطته على الذائقة، عبر أصوات مهمّة، وفي الوقت نفسه كان الغناء الشعبي يتكون في صورة صاخبة تُعبر عن المزاج اليومي للناس في الأفراح والمناسبات.
أقام الرجل في منطقة بينية تُبقي على عناصر الطرب من ناحية البناء اللحني، وتستعير من الغناء الشعبي حيويته وبساطته وإيقاعه الخفيف، في استجابة واعية لاحتياجات جمهور متنوع، يبحث عن غناء يجمع بين المتعة الجمالية والسهولة، بين الرقي والقدرة على النفاذ المباشر إلى المستمع.
انعكست هذه الخصوصية على صورته في الإذاعة والسينما، إذ بدا صوته قادراً على الانتقال من الأغنية الطربية ذات النفس الطويل، إلى الموال الشعبي القصير، ومن اللون الاستعراضي إلى الغناء العاطفي الرقيق. كان في كل ذلك يقدّم نفسه باعتباره صوتاً جامعاً لا يُقصي شريحة من الجمهور، بل يخاطب الجميع بقدر متوازن من الطرب والبساطة.
ومن هنا تفسر مكانته باعتباره أحد الأركان التي حافظت على الامتداد الأفقي للطرب المصري، ورسّخت صورته في ذاكرة المستمعين صوتاً مألوفاً، يشيع البهجة والدفء معاً. طبيعة صوته جعلته قريباً من الأذن اليومية للمستمع الذي يلتقط بسهولة كلمات الأغنية ويلتحم
ارسال الخبر الى: