عامان على حرب الإبادة عن الصحافة التي تغيرت إلى الأبد
66 مشاهدة
عامان مرا على السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023 عامان كأنهما قرنان من الإبادة والقتل المفتوح والمنقول مباشرة على الهواء بالإمكان كتابة الكثير في جردة حساب للعالم الذي لم يعد كما كان بعد هذه المقتلة لكن لنكتف هنا بصناعة الإعلام التي يستحيل أن تعود إلى ما كانت عليه أو أقله هذا ما يبدو لنا ونحن بين فاصلين الذكرى الثانية لعملية طوفان الأقصى وبدء حرب الإبادة على غزة وترقب انتهاء هذه الحرب وما ستؤول إليه أحوال القطاع وسكانه وأحوال العالم منذ السابع من أكتوبر 2023 واجه الصحافيون امتحانا لم تعرفه المهنة من قبل امتحان البقاء والشهادة والجدوى فتحول العمل الصحافي بإرادة الصحافيين أو رغما عنهم من مهنة تسعى إلى نقل الوقائع إلى فعل وجودي مقاوم هدفه الوحيد أن يمنع اختفاء الحقيقة من تحت الركام ومن تحت سيل البروباغندا الإسرائيلية قتلت إسرائيل أكثر من 250 صحافيا وعاملا إعلاميا في عامين في أكبر مجزرة مهنية موثقة منذ بدأ العالم حساب خسائره بهذه المهنة لم تكن تلك مجرد حوادث عرضية بل سياسة ممنهجة تهدف إلى إسكات الشهود والقضاء على الصورة والصوت ومع انهيار فكرة درع حماية الصحافيين التي يفترض أن يصونها القانون الدولي الإنساني انكشف المعنى العميق لهذه الحرب حرب على الحقيقة وعلى السردية الفلسطينية بقدر ما هي حرب على الحياة فكل كاميرا محمولة في غزة باتت في نظر الاحتلال بندقية محتملة وكل بث مباشر صار يعامل كأنه اختراق أمني ومع ذلك استمر الصحافيون الفلسطينيون في توثيق ما يجرى حولهم حتى اللحظة الأخيرة بعضهم بث قبل دقائق من استشهاده وكأن غزة بأكملها قررت أن تموت وهي تروي على الجانب الآخر أغلقت الأبواب في وجه الإعلام الأجنبي حظرت إسرائيل دخول المراسلين الغربيين إلى القطاع باستثناء زيارات قصيرة ومراقبة بإشراف عسكري هذا المنع لم يكن قرارا أمنيا فحسب بل ممارسة متعمدة لصناعة الظلام فقد أرادت إسرائيل أن تحتكر السردية وأن تخضع كل ما يروى لرقابة الميدان الذي تسيطر عليه وحدها حينها صار الفلسطينيون وحدهم شهود الحرب ومحرريها ومصوريها ومقدمي نشراتها وهكذا انتقل مركز السرد من القنوات الدولية إلى الشاشات الصغيرة في غزة ومن مكاتب التحرير في لندن ونيويورك إلى الهواتف المحمولة في خانيونس ورفح لكن المفارقة أن هذا التعتيم لم يؤد إلى الصمت بل إلى انفجار جديد في تعريف الصحافة ذاتها إذ تحول الصحافي الفلسطيني إلى شاهد لا يفصل بين المهنة والذات ولا بين الخطر وما رآه واجبا هو جزء من القصة التي يرويها يعيشها ويكتبها في اللحظة نفسها وأحيانا يدفع حياته ثمنا لنقلها في هذه اللحظة انهار النموذج التقليدي للصحافة التي تتباهى ببرود المسافة وادعاء الحياد فالحياد أمام الإبادة ليس مبدأ مهنيا بل تواطؤ أخلاقي ومن غزة خرجت الصحافة أكثر صدقا لأنها تخلت عن القناع الذي طالما فرضته المؤسسات الكبرى باسم الموضوعية صياغة جديد لوظيفة الصحافي ما بين هذا الانكشاف الأخلاقي للمؤسسات الإعلامية الغربية وصعود الشهادة الفلسطينية مصدرا رئيسيا للخبر يمكن القول إن وظيفة الصحافة نفسها أعيدت صياغتها من جديد لم تعد الصحافة مجرد وسيط بين الحدث والمتلقي بل أصبحت طرفا فاعلا في الصراع على الوعي وعلى إعطاء معنى حقيقي لكل هذا الموت إذ تحول الميدان الإعلامي إلى ساحة ذاكرة حية تتقاطع فيها الشهادة الفردية مع الأرشفة الجماعية فكل مقطع مصور من غزة صار وثيقة للتاريخ وكل منشور من صحافي محاصر تحول إلى مادة أرشيفية تتناقلها المؤسسات الحقوقية والجامعات ومراكز الأبحاث بهذا الشكل تغير الزمن الصحافي نفسه لم يعد الخبر يوميا بل لحظيا ولم يعد التوثيق حكرا على المراسل بل صار عملا جماعيا تشاركيا بين من يكتب ومن يشاهد ومن يعيد النشر وهكذا أصبح الفضاء الرقمي ساحة لولادة نوع جديد من الصحافة ــ صحافة تشاركية هجينة لا تنفصل فيها المهنة عن التكنولوجيا ولا الخبر عن الأخلاقيات التي يفترض أن تحكم العالم في القرن الواحد والعشرين اكتسب الصحافيون المحليون ثقة الجمهور بفضل عفويتهم ومباشرتهم وغياب الوسيط ولعل المفارقة الأكبر أن هذه الصحافة الجديدة ولدت من تحت القصف لا من غرف التحرير المجهزة بينما فقدت كبريات المؤسسات الإعلامية مصداقيتها بسبب خضوعها للسياسة والتمويل والضغط ورضخت لحملات التشهير والابتزاز المهني الإسرائيلي اكتسب الصحافيون المحليون ثقة الجمهور بفضل عفويتهم ومباشرتهم وغياب الوسيط هذا التحول أعاد توزيع السلطة الرمزية داخل المهنة لم تعد المراكز الكبرى في نيويورك ولندن وباريس هي التي تحدد ما يقال بل من يصور على أرض الحدث وبقدر ما مثل ذلك تصحيحا تاريخيا لمركزية الغرب فقد فتح أيضا أسئلة جديدة حول المصداقية والتحقق والتمويل والأمان وبينما كانت الكاميرات الفلسطينية تنقل المجازر على الهواء كانت غرف الأخبار الغربية تضع الروايات الرسمية الإسرائيلية في صدارة نشراتها تكرر لغة البيانات العسكرية وتختصر الفلسطينيين في أرقام وتستبدل المجازر بـالاشتباكات انهارت الفكرة القديمة عن الحياد العالمي الذي لطالما سوقه الغرب إذ صار الانحياز مكشوفا حتى داخل تلك المؤسسات نفسها حين خرج صحافيون من داخلها ينددون بما سموه التوازن الزائف لم يعد أحد بحاجة إلى تحليلات معمقة كي يرى الخلل فالمشاهدون في أنحاء العالم كانوا يتابعون البث الحي من غزة عبر حسابات محلية على تيك توك وإنستغرام ويقارنونها بالنشرات الغربية التي تتحدث عن أضرار جانبية وبأشهر قليلة تحول الفضاء الرقمي إلى مرآة أخلاقية كشفت ازدواجية الخطاب الإعلامي الغربي وأعادت تعريف الثقة من جديد خوارزميات الإبادة لكن هذا الفضاء نفسه سرعان ما تحول إلى ساحة معركة أخرى فمع تزايد انتشار المحتوى الفلسطيني بدأت المنصات الكبرى تمارس أشكالا من الرقابة الرقمية لم تشهدها الصحافة من قبل حذفت منشورات وأغلقت حسابات وتقلص مدى وصول المواد التي توثق جرائم الاحتلال بحجج مبهمة تتراوح بين انتهاك المعايير والتحريض على العنف لم تعد الرقابة تأتي من الحكومات بل من خوارزميات لا وجه لها تعمل بوصفها رقباء آليين يقررون ما يرى وما يمحى تحولت شركات التقنية إلى سلطة سياسية خفية ترسم حدود الوعي العام للعالم هكذا وجدت الصحافة نفسها محاصرة من جهتين القصف على الأرض والخوارزميات في السماء وإذا كانت الرقابة الرقمية قد خنقت الأصوات الفلسطينية على المنصات فإن إسرائيل في المقابل استثمرت هذه المنصات نفسها لتضخيم روايتها الرسمية ضمن الهسبارا عبر وحدات متخصصة في وزارات الخارجية والأمن والاتصال أطلقت حملات رقمية ضخمة وظفت مؤثرين وإعلانات مدفوعة وروجت سرديات منظمة تعيد صياغة الوقائع بلغة أخلاقية تخفي العنف وتعيد إنتاجه مئات الحسابات المجهولة والممولة كانت تكرر رسائل موحدة أن إسرائيل تحارب الإرهاب وأن صور الأطفال والدمار نتاج فبركات حماس وأن التشكيك في الرواية الرسمية هو شكل من معاداة السامية ولم يكن هذا النشاط الدعائي عشوائيا فإسرائيل خصصت موارد هائلة لتدريب موظفين ومجموعات ضغط على صناعة محتوى رقمي يقدم بوجوه جذابة ومقاطع قصيرة تشبه المحتوى الإنساني أو الساخر لكنها تحمل في طياتها رسائل سياسية صلبة كان الهدف هو تقويض التعاطف العالمي مع الفلسطينيين وتحويل النقاش من الإبادة إلى الأمن وحق الدفاع حتى اللحظة التي أظهرت فيها صور المستشفيات المدمرة والمجازر في الخيام كانت الحسابات الرسمية تملأ الفضاء بمقاطع تروج فكرة أخلاقية الجيش ورحمته بالمدنيين في موازاة هذا الفضاء الافتراضي شغلت إسرائيل آلة علاقات عامة كلاسيكية تستهدف المؤسسات الإعلامية مباشرة فبدل السماح للصحافيين بالدخول إلى غزة فتحت أبوابها أمامهم في اتجاه واحد رحلات إعلامية ممولة بالكامل تنظم بدقة للصحافيين الغربيين والمراسلين المؤثرين ينقل هؤلاء إلى المستوطنات أو المواقع العسكرية الحدودية ويقدم لهم المسؤولون الإسرائيليون بوصفهم مصادر وحيدة للمعرفة ويمنعون من مقابلة الفلسطينيين أو زيارة أماكن القصف وعندما يعودون إلى بلدانهم ينشرون تقارير محايدة لكنها في جوهرها نسخة ناعمة من الهسبارا الرسمية في تلك الرحلات التي شملت أيضا صانعي محتوى مؤثرين على يوتيوب وإنستغرام وتيك توك يستخدم مفهوم الخبرة الميدانية أداة لإضفاء الشرعية على رواية مصممة مسبقا حتى اللغة الصحافية تعاد صياغتها هناك يصبح الاحتلال حملة أمنية والمجازر عمليات محددة والضحايا أضرارا جانبية مؤسفة بهذا الشكل تتضافر أدوات الدعاية القديمة والجديدة في بنية واحدة الخوارزميات تدفع بالمحتوى الدعائي إلى الواجهة والرحلات الممولة تنتج صحافة معاد تدويرها والرقابة الرقمية تخفي كل ما يناقضها نشاهد مباشرة عبر شاشتنا ترسيخ منظومة حرب معرفية متكاملة تسعى إلى محو الصورة الأصلية واستبدالها بنسخة مطبوخة تشبه الحقيقة ولا تمت إليها بصلة عن الصحافة والدعاية وما بينهما هذه المنظومة تطرح على الصحافة تحديا جوهريا كيف يمكنها أن تصون صدقيتها في عالم تشتبك فيه القوة السياسية بالتقنية وتشترى فيه الثقة بالإعلانات والروايات الجاهزة وإن كان هناك درس أساسي يمكن استخلاصه من هذه الإبادة فهو أن كشف التضليل والأخبار الكاذبة لم يعد كافيا في ظل سرعة نشر المعلومات وانتشارها بل لا بد من تفكيك آليات إنتاج هذه الأكاذيب وتوزيعها وفضح الشبكات التي تقف وراءها فالمعركة لم تعد على الخبر بل على شروط ولادته وانتشاره ونجاته وفي الوقت الذي يقتل فيه الصحافيون بغزة لأنهم ينقلون الحقيقة يجري في أماكن أخرى استقطاب صحافيين آخرين كي يجملوا صورة القاتل المفارقة هنا ليست أخلاقية فقط بل وجودية فالإعلام الذي يشارك في تبرير الإبادة يسهم فعليا في إعادة إنتاجها وبذلك فإن المعركة على معنى الصحافة لم تعد تدور حول ما يقال أو يمنع من القول بل حول من يمتلك سلطة التسمية ومن يحدد الحقيقة للعالم بهذا المعنى تكشف حرب غزة عن التناقض الجوهري بين الصحافة والدعاية بين الشهادة والترويج فبينما كانت الصحافة تسعى تاريخيا إلى مساءلة القوة باتت القوة اليوم تملك أدوات إعلامية تجعل مساءلتها أقرب إلى المستحيل اليوم بعد عامين من الحرب يمكن القول إن الصحافة تغيرت إلى الأبد لم تعد مهنة لنقل الخبر بل صارت فنا للنجاة من الإبادة ومحاولة لحماية الذاكرة من الزوال وبعيدا عن كل الشعارات التي لا تليق بحجم هذه الإبادة ولا بمأساوية الواقع على الأرض فإن جيلا جديدا من الصحافيين الفلسطينيين خرج من بين الركام حرفيا لا مجازيا حاملا معه تعريفا جديدا للمهنة أن تكون شاهدا لا ناقلا موضوعيا إن بقي للموضوعية أساسا تعريف بعد كل هذا القتل