عاداتنا التي هجرنا
هذا الصباح ذهبتُ إلى المقهى، الذي لم أتردّد عليه منذ مدّة طويلة. دخلتُ من الباب الأمامي. للمقهى بابان، الأوّل يُفضي إلى الشارع الرئيسي والآخر إلى شارع فرعي. مسحتُ بعينيّ فضاء المقهى بشكل سريع لأختار مكاناً مُناسباً أجلس فيه. اخترتُ أحد الأركان المواربة وجلست على الطاولة التي وقع عليها اختياري. اليوم أنا وحدي على غير العادة. في الغالب أتوجّه إلى المقهى تلبية لدعوة أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء أو الزملاء.
في الحال قصدتني النادلة بابتسامة مرحة ثمّ وقفت أمامي تنتظر طلبي. على وجنتيها، تظهر بعض نُقط النمش. طلبت قهوة نص نص في كوب صغير وانتظرتُ عودتها مُستكيناً كطالب مُهذّب مُعجب بمعلّمته. قبل ذلك كنت قد توجّهتُ إلى المخبز القريب واشتريتُ كروسان بالشكولاتة.
المقهى شبه فارغ. التلفاز مُشتغل، لكن الصوت وُضِع في حالة الكتمان. الزبائن القليلون الذي تردّدوا على المقهى هذا الصباح غارقون في مشاهدة هواتفهم الذكية، يتصفّحون المواقع الإلكترونية أو يشاهدون الفيديوهات التي تبثّها منصّات التواصل الاجتماعي، مُستعملين السماعات كي لا يزعجوا الجالسين قريباً منهم.
يغمرنا حنين واخز وانقباض في القلب، إلى كلّ الأشياء التي ضاعت في غفلة منا بين دروب حياتنا الملتوية
وقع نظري على مشهد غير مألوف؛ على سطح إحدى الطاولات الشاغرة تقبع صحيفة وحيدة مُهملة. نهضت والتقطتها. حزّ في نفسي حالها البائس. في زمن مضى كنتَ لا تجد الصحف التي يوفّرها المقهى لروّاده بالمجان، متروكة هكذا لحالها، حتى إنّك، إذا أردت أن تطالعها، انتظرت دورك للحصول عليها، وقد يستغرقك ذلك وقتاً طويلاً. وعندما تصلك (إذا وصلتك) تصلك وقد صار ورقها مُهترئًا لكثرة الأيدي التي تناوبت عليها. أخذتها بين يديّ وبدأت بتصفّحها. تذكّرت أنّ قراءة الصحف الورقية (أصبح لزاماً استعمال هذا التوصيف لتمييزها من الجرائد الإلكترونية) كانت من العادات التي أدمنت عليها حتى تفشي فيروس كوفيد 19 والإغلاق العام الذي عرفه العالم، مع التردّد على المقهى، على الأقلّ مرّة واحدة في اليوم، في الصباح أو المساء.
كانت من أكثر العادات التي أحببت وأقبلت عليها بشغف. أجلس على الطاولة، بين
ارسال الخبر الى: