طواحين الهواء

27 مشاهدة
اخبار اليمن الان الحدث اليوم عاجل

يمنات

عبد الكريم الشهاري

قلتُ لها: ما الذي تقرئينه هذه الأيام؟

قالت: دون كيخوتة، ثم ضحكت

قلت: لماذا تضحكين؟

قالت: لأنني كلما تقدمت في الرواية شعرت أن ثربانتس لم يكن يكتب عن فارس مجنون يطارد طواحين الهواء، ولكنه كان يكتب عن البشر حين يصنعون من أوهامهم معارك، ثم يسمّون انتصاراتهم عليها تاريخاً.

قلت: وما علاقة ذلك بنا؟

قالت: ألم تلاحظ أن في بلادنا فرساناً كثيرين، وطواحين أكثر؟ كل طرف يرى نفسه دون كيخوتة، يحمل قضية مقدسة، ويبحث عن عملاق يقتله، فإذا أسقط خصمه، صاح: انتصرنا! بينما الطاحونة الحقيقية ما زالت تدور، والفقر كما هو، والخراب كما هو، والإنسان الذي كان ينبغي إنقاذه هو أول من دفع الثمن، ثربانتس جعل بطله يقاتل طواحين ظنها عمالقة، أما نحن، فنجعل من اليمني الآخر عملاقاً، ثم نقاتله حتى الموت، ونكتشف بعد المعركة أننا لم ننتصر إلا على نسخة أخرى من بؤسنا.

قلت: لكن دون كيخوتة كان يعيش وهماً، ونحن نخوض حروباً حقيقية.

قالت: وهنا المأساة الأشد، هو كان يعيش وهماً ويقاتل في الخيال، ونحن أحياناً نحمل الوهم نفسه إلى الواقع، فنقاتل حقيقةً، ثم نعود إلى الوهم كي نفسر لأنفسنا لماذا قاتلنا.

قلت: وأين يكون الانتصار الوهمي في كل هذا؟

قالت: هنا بالضبط تكمن عبقرية ثربانتس، فالانتصار ليس بالضرورة كذبة، قد يهزم رجل خصمه فعلا، ويستولي على أرض، ويرفع راية، ويعلن النصر، لكن السؤال الذي يأتي بعد ذلك أكثر قسوة: ماذا هزم؟ إذا ظل الجوع، والفقر، والخوف، والطفل ينام على وطن مكسور، فربما كان المنتصر قد هزم خصمه، لكنه لم يهزم البؤس الذي جعل خصومته ممكنة، وهنا تصبح المفارقة مريعة: قد يكون الانتصار حقيقياً في المعركة، ووهمياً في المعنى.

دون كيخوتة تضربه الطاحونة، فيسقط، لكنه لا يسمح للواقع بأن يهزم قصته، فيبحث عن ساحر يفسر له لماذا تحولت العمالقة إلى طواحين، (وهنا لم تتمالك نفسها فضحكت الفيلسوفة ضحكةً انكشف عن جمال ساحر، كأنها عثرت فجأةً على نافذةٍ للفرح في جدار العبث.) قبل أن تستعيد جديتها

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع يمنات لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح