قدم تسجيل السعودية زيادة غير مسبوقة بنسبة 40 في استثمارات المحافظ الأجنبية خلال النصف الأول من عام 2025 مؤشرا إلى تعزيز مكانة المملكة ماليا والثقة المتنامية من المؤسسات المالية الدولية في بيئة الاستثمار المحلي بعد سلسلة إصلاحات تنظيمية وتشريعية وسلط الضوء أيضا على تأثير ذلك على فرص التوظيف والاستقرار الاقتصادي للمواطن السعودي وعلاقة ذلك بارتفاع تكاليف المعيشة أو العقارات ويعزو تقرير لشركة إكويفيتر Equivator المتخصصة في تحليلات الاستثمار وأسواق الشرق الأوسط هذا النمو بالأساس إلى تحديثات قانون الاستثمار الأجنبي وتسهيل دخول رؤوس الأموال الأجنبية بالإضافة إلى فتح المدن الكبرى مثل الرياض وجدة ونيوم أمام التملك الأجنبي الكامل للأصول ما منح تدفقات المحافظ الأجنبية نقاط دخول جديدة ومرونة تشريعية أعلى وترتبط زيادة استثمارات المحافظ الأجنبية عادة بتعزيز السيولة في السوق المالية السعودية ما يدعم خطط الشركات الكبرى للتوسع ويدعم الطلب على المواهب المحلية خاصة في القطاعات المالية التقنية والعقارات ومع ذلك يشير تقرير لهيئة السوق المالية السعودية CMA إلى أن فوائد هذا النوع من الاستثمارات غالبا ما تذهب أولا للمؤسسات المدرجة والمستثمرين الرئيسيين فيما يعتمد تحويل المكاسب إلى فرص عمل أو إلى نمو دخل للأفراد على مدى نجاح الحكومة في استثمار السيولة المتاحة في مشروعات إنتاجية أو بنية تحتية توسع قاعدة التوظيف وترفع مستويات الأجور تنويع مصادر الدخل في هذا الإطار يشير الخبير الاقتصادي والمستشار المالي علي أحمد درويش في حديث لـالعربي الجديد إلى أن الاقتصاد السعودي يشهد تدفقا متزايدا للاستثمارات الأجنبية عبر المحافظ المالية مدفوعا بعدة عوامل أبرزها الاستقرار السياسي والاقتصادي وتنويع مصادر الدخل بعيدا عن الاعتماد شبه الكلي على النفط ويعكس هذا التوجه نجاح رؤية 2030 في تحقيق أهدافها التنموية خلال السنوات الأخيرة لا سيما في بناء بيئة استثمارية جاذبة ومستقرة حسبما يرى درويش لافتا إلى أن البيانات المتاحة سجلت قيمة لإجمالي الاستثمارات الأجنبية في الأوراق المالية مثل الأسهم والسندات والمحافظ الاستثمارية بنحو 1 244 تريليون ريال سعودي بنهاية عام 2024 وهو رقم كبير يدل على نشاط ملحوظ في هذا النوع من الاستثمارات الدولار نحو 3 75 ريالات وخلال الربع الأول من عام 2024 وحده جاءت التدفقات بشكل رئيسي من دول مثل الولايات المتحدة وألمانيا والإمارات العربية المتحدة ما يعكس ثقة المستثمرين الدوليين في السوق السعودي مقارنة بأسواق أخرى تشهد تقلبات حادة حسب تقدير درويش لافتا إلى أن هذا التدفق من شأنه أن يؤدي إلى تحسين السيولة في الشركات المدرجة خاصة الكبرى منها إذ يوفر لها موارد مالية تساهم في تعزيز أدائها وتوسيع عملياتها ويعزو درويش جزءا من هذا الجذب إلى استقرار نسبي في أسعار الأسهم السعودية مقابل التقلبات الكبيرة التي تشهدها الأسواق العالمية ما يجعلها وجهة أكثر أمانا وجاذبية للمستثمرين الباحثين عن عوائد مستقرة مع درجة مقبولة من الأمان غير أن درويش يلفت إلى أن انعكاس هذه الاستثمارات على المواطن السعودي سواء من حيث تكاليف المعيشة أو سوق العقارات لا يكون مباشرا فالمستفيد الأول من هذه التدفقات هي الشركات الكبرى وصناديق الاستثمار والمحافظ المالية إضافة إلى القطاع المصرفي من خلال الودائع التي ترفع مستويات السيولة في النظام المالي ومع ذلك فإن هذه السيولة قد تتحول لاحقا إلى فرص عمل غير مباشرة إذ تدفع الشركات المدعومة ماليا إلى التوسع في مشاريعها وهو ما يستدعي توظيف أيد عاملة جديدة وزيادة رقعة النشاط الاقتصادي وفي ما يتعلق بسوق العقارات يرى درويش أن ارتفاع السيولة يساهم في دفع الطلب ورفع الأسعار لكن هذا التأثير يبقى محدودا بفعل برامج الدولة الداعمة خاصة القروض الميسرة التي توفرها الجهات الحكومية لتمكين المواطنين من امتلاك الوحدات السكنية بأسعار معقولة الثقة بالسوق المحلية يؤكد الخبير الاقتصادي ربيع بدواني مخلوف لـالعربي الجديد أن ارتفاع استثمارات المحافظ الأجنبية في السعودية يعكس تزايد الثقة الدولية في الأسواق المحلية ومسار الإصلاحات الاقتصادية التي تنتهجها البلاد لافتا إلى أن بيانات الهيئة العامة للإحصاء أوردت أن صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في الربع الأول من عام 2025 بلغ نحو 22 2 مليار ريال سعودي أي ما يقارب 5 9 مليارات دولار بزيادة تبلغ 44 على أساس سنوي كما تمثل استثمارات المحافظ الأجنبية حوالي 2 3 من الناتج المحلي الإجمالي حتى نهاية 2024 بحسب بيانات الهيئة وهو ما يراه مخلوف دليلا على جاذبية السوق السعودية للمستثمرين الدوليين معتبرا أن هذه التدفقات المالية تساهم في تعزيز استقرار الأسواق من خلال زيادة السيولة وعمق السوق غير أن أثرها المباشر على فرص التوظيف أو على الأوضاع المعيشية للمواطنين يبقى محدودا نسبيا فالمحافظ المالية بخلاف الاستثمارات المباشرة لا تنشئ عادة مشاريع إنتاجية جديدة إذ تتركز على الأسهم والسندات أكثر من الأصول المنتجة ولذا فإن منافعها المباشرة على المدى القصير تبقى محدودة رغم أنها تعزز الثقة وتدعم تمويل الخطط الحكومية بحسب تحليل مخلوف وعلى صعيد سوق العمل يبين مخلوف أن البيانات ذاتها أظهرت أن معدل البطالة في السعودية انخفض إلى نحو 7 بنهاية 2024 مقارنة بـ12 8 عام 2018 وهو تراجع واضح يعكس أثر الإصلاحات في هيكلة سوق العمل ومع ذلك تشير تقديرات أخرى إلى أن السعودية ستحتاج إلى خلق ما يقارب 920 ألف وظيفة جديدة بحلول 2030 لمواكبة نمو القوى العاملة وتحقيق أهداف رؤية 2030 ومن هنا تتضح أهمية توجيه جزء من استثمارات المحافظ نحو القطاعات الإنتاجية القادرة على توليد فرص عمل حقيقية حسب مخلوف وفي ما يتعلق بتكاليف المعيشة يرى مخلوف أن تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى الأسواق السعودية يمكن أن يحدث آثارا مزدوجة فهو يساهم من جهة في تنشيط الاقتصاد وتحسين السيولة في النظام المالي وقد يؤدي من جهة أخرى إلى ارتفاع أسعار الأصول خاصة في قطاع العقارات وهنا يلفت مخلوف إلى أن أسعار المساكن في المملكة سجلت ارتفاعا بنسبة 3 1 على أساس سنوي حتى نهاية 2024 غير أن السياسات الاقتصادية الحديثة تسعى للحد من هذه الضغوط إذ أقرت الرياض في سبتمبر أيلول الماضي قانون تثبيت الإيجارات الذي يمنع زيادة إيجارات العقارات السكنية والتجارية لمدة خمس سنوات داخل الحدود الحضرية للمدينة