طعنة جديدة في جسد لم يلتئم بعد علي عشال

في مدينةٍ تعبت من حمل الذاكرة الثقيلة لحوادث العنف وجرائم القتل ، يأتي اغتيالُ الدكتور عبد الرحمن الشاعر كطعنةٍ جديدة في جسدٍ لم يلتئم بعد. ليست هذه الجريمةُ حادثًا عابرًا يمكن أن يمرّ في سجلّ النسيان، بل هي علامةٌ مقلقة تُنذر بانبعاث زمنٍ كان الناس يظنون أنه ولى؛ زمنٍ كانت فيه رصاصاتُ الغدر أسرعَ من الأمن ومنظومةِ العدل، زمنٍ ارتُكبت فيه اغتيالاتٌ وجرائمُ لا حصر لها، وأصبح عويلُ الموت أعلى صوتًا من الحياة.
حين يُغتال رجلٌ كرّس أيامه للعلم وخدمة المجتمع، وهو في طريقه لأداء واجبه النبيل، فإن الاستهداف يتجاوز حدود الفرد إلى فضاءٍ أوسع؛ إلى فكرة الطمأنينة ذاتها، إلى ذلك الشعور الهشّ الذي يُبقي المدن صالحةً للعيش. إن قتلَ المربين والعقول ليس جريمةً بحق أشخاصهم فقط، بل هو اغتيالٌ للمعنى، ومحاولةٌ لزرع الخوف في كل دربٍ يسلكه الأمل.
عدن، هذه المدينة التي خبرت العواصف ونجت، لا تحتمل دورةَ خوفٍ جديدة تُعيدها إلى مربعات القلق والاضطراب. فالأمن ليس ترفًا، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه حياةُ الناس، وأي تهاونٍ في مواجهة مثل هذه الجرائم هو فتحٌ لبابٍ مظلم قد لا يُغلق بسهولة.
إن الصمتَ أمام هذه الجريمة لا يقلّ خطورةً عنها، والتساهلُ في تصنيفها كـ”حادثٍ مجهول” هو إدانةٌ مضاعفة. المطلوب اليوم ليس مجرد بيانات استنكار، بل فعلٌ جادّ ومسؤول: تحقيقٌ سريعٌ وشفاف، يكشف الحقيقة دون مواربة، ويصل إلى المنفذين ومن يقف خلفهم، ويضع الجميع أمام ميزان العدالة بلا استثناء.
لقد كان الدكتور عبد الرحمن الشاعر رمزًا للعطاء الهادئ، وأثرُه لن يُمحى برصاصةٍ غادرة. سيبقى حيًا في ذاكرة طلابه، وفي كل فكرةٍ زرعها، وفي كل قيمةٍ علّمها. أما السلطة وأجهزة الأمن والنخب المؤثرة في عدن، فعليهم أن يختاروا: إما أن يصونوا ما تبقى من نورها، أو يتركوا العتمة تتسلل إليها من جديد.
رحم الله الدكتور عبد الرحمن الشاعر رحمة الأبرار، وتقبّله مع الشهداء الصالحين الأخيار، وجعل منزلته في الدرجات العُلى من الجنة.
خالص العزاء لأسرته الكريمة وأولاده ولجميع طلابه وزملائه ومحبيه
ارسال الخبر الى: