طرف الخيط
بعد مجزرة السويداء، لم أعد أعرف تماماً أين انتهت المجزرة وأين بدأتُ أنا.
خرج الناس من الموت، لكن الموت لم يخرج من الناس بالسهولة نفسها. بقي شيء منه عالقاً في الجسد؛ في النوم المتقطّع، في الضيق الذي يأتي بلا موعد، في الرغبة بأن نغلق العالم ونتركه في الخارج. وحين أدركت أنّني لا أتعافى لمجرّد أنّ الأيّام تمضي، وأنّ الحزن إذا تُرك وحيداً يعرف كيف يحفر لنفسه بيتاً دائماً في الروح، بدأت علاجاً نفسياً جدياً، وابتعدت عن وسائل التواصل الاجتماعي.
كنت أريد الصمت. لا مزيداً من الدم على الشاشة، ولا الصراخ، ولا الآراء التي تتكاثر حول المأساة حتى تكاد تبتلع المأساة نفسها.
ولا أعرف من قادني، في ذلك الوقت، إلى كرة صوف. ربّما حين يعجز الإنسان عن إصلاح العالم، يبحث عن شيء صغير يمكن إصلاحه بين يديه.
وجدت نفسي أمام خيوط ملوّنة وسنارة. أتعلم غرزة، أفكّها، أُعيدها. أعدّ العقد كما لو أنّني أعدّ أنفاسي. واحدة، اثنتان، ثلاث... ثم تبدأ الفوضى، على نحو غامض، في اكتساب شكل. خيط يعبر خيطاً. عقدة تمسك بأختها. فراغ محسوب بين فراغين وفجأة، من شيء لا معنى له، تولد وردة.
حين يعجز الإنسان عن إصلاح العالم، يبحث عن شيء صغير يمكن إصلاحه بين يديه
أدهشني الأمر.
كيف يمكن لخيط هشّ، لو تركته وحيداً لما استطاع حمل شيء، أن يصبح، بتكرار عقد صغيرة، جسداً كاملاً؟
ربّما نحن أيضاً هكذا. لا تنقذنا الأشياء الكبرى دائماً. أحياناً تنقذنا عقدة صغيرة ننجح في إتمامها، لونان ينسجمان، شيء جميل يظهر أمامنا بعد ساعات، فيخبرنا من دون كلام أنّنا ما زلنا قادرين على صنع شيء غير الحزن.
وأخذتني الخيوط إلى بيتنا القديم، إلى يد أمي، إلى ظهيرة بعيدة من طفولتي، حين كنت أرافقها إلى زيارة إحدى صديقاتها. لا أذكر الحديث الذي دار بين النساء، ولا ما شربنه، ولا لماذا ذهبنا. لكنني أذكر امرأة سمراء ذات شعر مجعّد، تضحك وتتحدّث، وفي يدها سنارة.
كنت أحدّق في أصابعها. كانت تتكلّم، بينما يدها تعرف طريقاً آخر
ارسال الخبر الى: