طبقات الاستعباد في مصر تاريخ الرق الأبيض والرق الأفريقي

56 مشاهدة
في إحدى وثائق الأرشيف المصري التي تعود إلى ثمانينيات القرن التاسع عشر يرد وصف دقيق لامرأة شركسية في الثلاثينيات من عمرها كانت مملوكة لسيدة تدعى هانم آغا ضمن موجة تحرير شملت مئات النساء في السنوات التي أعقبت مرسوما أصدره سعيد باشا عام 1856 ومثل بداية فعلية لمسار تقنين تجارة الرق تمهيدا لإنهائها انطلاقا من هذه الوثيقة يناقش كتاب الرق ومقاومته في مصر في القرن التاسع عشر دار العربي للنشر والتوزيع 2026 للباحث ناجي غابة ظاهرة اجتماعية واقتصادية وسياسية تشكلت ضمن شروط محددة وتطورت داخل منظومة السلطة والاقتصاد في القرن التاسع عشر في سياق بناء الدولة الحديثة وتوسع جهازها الإداري والعسكري وتنامي الحاجة إلى الأيدي العاملة في الزراعة والمشروعات الكبرى nbsp وهنا لا بد من توضيح أن صورة الرقيق في ذلك العصر لم تكن موحدة فقد كان هناك الرقيق الأبيض وغالبيتهم من الشركس يعملون في الخدمة المنزلية الفاخرة أو يتقلدون مناصب إدارية بينما كان الرقيق الأفريقي يستخدم على نطاق واسع في الأعمال الشاقة مثل الزراعة وفي مشروعات البنية التحتية الكبرى ومنها حفر الترع وقنوات الري التي شهدتها مصر في ذلك الوقت فالظاهرة بحسب قراءته لم تكن معزولة عن مشروع التحديث إذ تداخلت معه في مستويات متعددة وأصبحت جزءا من آليات إدارة الموارد البشرية في مرحلة بناء الدولة وإن اختلفت طبيعة مساهمة كل فئة من هؤلاء الرقيق ويعتمد الكتاب على مادة أرشيفية واسعة من مراسيم رسمية وتقارير قنصلية وسجلات محاكم ومكاتبات إدارية تتيح تتبع الظاهرة من داخل مؤسسات الدولة نفسها لا من خارجها فقط من أجل تفكيك لغة السلطة ذاتها وتعريفها للرقيق وكيف نظمت تجارتهم وكيف أعادت تدريجا صياغة موقفها منهم تحت ضغط التحولات الدولية والداخلية يعيد المؤلف للعبيد صفة الفاعل لا الضحية الصامتة فقط يتوقف غابة مطولا عند التحولات التي شهدتها مصر منذ عهد محمد علي مشيرا إلى أن استخدام الرقيق في الجيش وبعض قطاعات الإنتاج كان جزءا من منطق إدارة الموارد في تلك المرحلة لكن المهم هنا أن نفهم خصوصية الحالة المصرية فبينما كانت مصر ولاية عثمانية اسميا تمتع محمد علي وأسرته بحكم شبه مستقل وشرعوا في بناء جيش حديث واقتصاد زراعي وصناعي موجه مشروع خلق حاجة ملحة للأيدي العاملة واستخدم الرق بوصفه أحد الوسائل لتلبيتها وليس مجرد استمرار لتقليد عثماني قديم غير أن الكتاب يتجنب التبسيط فلا يحمل مرحلة بعينها المسؤولية ولا يستسلم لسرد خطي يوحي بأن إلغاء الرق كان نتيجة قرار تنويري صاف مبينا أن المسار كان متدرجا وملتبسا تحكمه اعتبارات سياسية ودبلوماسية واقتصادية متشابكة في هذا السياق يرصد المؤلف أثر الضغوط الأوروبية ولا سيما البريطانية في الدفع نحو تقنين تجارة الرقيق ثم الحد منها مشيرا إلى دور الاتفاقيات الثنائية والمراسلات القنصلية والالتزامات التي فرضتها شبكة العلاقات الدولية المتنامية آنذاك غير أن هذه الضغوط لا تقدم بوصفها العامل الحاسم الوحيد إذ يلفت إلى تزامنها مع نقاشات فقهية وإدارية داخلية تناولت مشروعية بعض الممارسات وحدودها القانونية فضلا عن اعتبارات تتصل بإعادة تنظيم سوق العمل في ظل تحولات اقتصادية أوسع وهكذا يبدو إلغاء الرق حصيلة تفاعل معقد بين الداخل والخارج لا استجابة آلية لإرادة خارجية لا يكتفي الكتاب بتتبع قرارات الإلغاء من أعلى بل يلتفت أيضا إلى ما جرى في الأسفل وأحد أهم وجوه الإضافة يتمثل في تركيزه على مفهوم المقاومة فبدلا من الاكتفاء بسرد تاريخ الاسترقاق يوسع المؤلف الدائرة ليشمل أشكال الرفض التي مارسها الرقيق أنفسهم مثل الهروب وتعطيل العمل واللجوء إلى القضاء أو الاستفادة من ثغرات قانونية للحصول على عتق وهذه التفاصيل تمنح السرد كثافة إنسانية وتعيد للرقيق صفة الفاعل لا الضحية الصامتة فقط كما يستعرض الكتاب سياسات التحرير التدريجي مبرزا التناقضات التي رافقت تطبيقها فبين النصوص القانونية التي تحد من التجارة والواقع الذي ظل يسمح باستمرارها في بعض المناطق تتكشف فجوة بين التشريع والممارسة موضحا أن هذه الفجوة لم تكن دليلا على مجرد غياب الإرادة السياسية كما قد يقال فقد كانت نتيجة حتمية لبنية اجتماعية واقتصادية كانت لا تزال تعتمد على الرق ومتجذرة فيه لعقود طويلة فالقوانين وحدها لا تكفي لتغيير واقع قائم على مصالح راسخة وهو ما يفسر استمرار الظاهرة بشكل غير رسمي حتى بعد صدور التشريعات المنظمة أو المقيدة لها بوقت طويل

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح