طارق الطيب جسد يرث الخوف ورؤية ما لا يجوز له

41 مشاهدة

يقف بلال أمام جسد أبيه المتهالك ليرى مريضاً أرهقه ألزهايمر؛ فيتأمل بوجل مكتوم نسخته القادمة. ذلك الوجه المتسلط الذي أخفى خلفه على مدى عقود قسوة ظاهرية وشغفاً غامضاً بحبيبة قديمة، يتسلل اليوم إلى وعي الابن نفسه. تبدأ الأزمة من حيرة مشوشة؛ عطف يكتنفه الواجب، وتبرم ينحت فيه الملل، ثم تطفو على السطح تلك الأمنيات الشريرة المبطنة التي تتمنى موت الأب للفكاك من إرهاق الرعاية. هذا السؤال الحاد عن الجحود والبر يمثل الخيط الأول الذي يربط بلال بوراثة خطايا الأب وسلطته، ليفتح الباب واسعاً أمام رحلة غائرة في الوعي، تتجسد في رواية رأيتَ ما لا يجوز لك (الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2025) للكاتب السوداني طارق الطيب، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية العربية عام 2026.

يدخل بلال منهكاً بين حالة من الوهن وتأجج الإدراك إلى عالم موتى الجبانة، ليعيد استرجاع مآزقه عبر استدعاء من فارقوه وصاروا في عالم الأموات. يتنازل بلال عن دور الراوي ضمناً لـسريد؛ ذلك السارد الذي يقرأ ما يدور بذهنه حتى يتجلى بوصفه صوته الذي يتجنب الجهر به في علن الدنيا. يدفع الخجل والتأزم النفسي إلى خلق هذا العالم رغبة في استدعاء كل شخصية رحلت مع إضفاء قانون البوح واللاخجل في ذلك الفضاء الآخر لتكشف كل شخصية أسرارها أمام البطل. يتأسس تعاطف بلال مع الشخصيات التي يتيح لها الراوي البديل (سريد) البوح عما عرفه الوعي وضمرته النفس؛ إذ تبدو حكايات الخالة والأم معارف مخبوءة يحملها البطل في الأصل وتمنعه كوابيس الذنب من الإقرار بها على لسانه.

تظهر بنية العلاقات داخل البيت الأول عبر توزيع مريب للذاكرة والاهتمام. تبرز الخالة رحمة بصفتها الجدار العاطفي الصلب الذي يمتص صدمات الأسرة عقب إنجاب الأم طفلها الثالث، فتتحول الخالة إلى الذاكرة الحقيقية للبيت بفضل رعايتها اليومية، بينما تبتعد الأم في زاوية انشغالها الدائم. يولّد هذا الارتباك العائلي لدى بلال تساؤلات مبكرة حول أصل الجميل وحقيقة الانتماء، فيما تكمن الطبقة الأكثر كتماناً في هذا التكوين النفسي بذاكرة الطفولة الأولى.

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح