في ضرورة التكامل العسكري والأمني الخليجي الملحة

55 مشاهدة
منذ 1979 لم يعد الخليج العربي كما كان فقيام الثورة الإيرانية لم يغير طبيعة النظام السياسي في إيران فحسب بل أعاد رسم معادلات القوة في واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية من الناحية الجيوسياسية وفي وقت كانت المنطقة تعيش أصلا تحت وطأة التهديد الإسرائيلي للأمن القومي العربي برز في الضفة الأخرى من الخليج مشروع إيراني جديد يحمل طموحا أيديولوجيا عابرا للحدود يقوم على فكرة تصدير الثورة لم يكن هذا الخطاب مجرد شعار سياسي بالنسبة إلى دول الخليج حديثة الاستقلال آنذاك بل إنذارا مبكرا بإمكانية انتقال الاضطراب إلى داخل مجتمعاتها وأنظمتها السياسية ومنذ تلك اللحظة دخلت العلاقة بين إيران ودول الخليج مسارا معقدا من التوترات المتراكمة يجمع بين صراع النفوذ الإقليمي والاحتكاكات الأمنية ومحاولات متقطعة لإدارة الأزمات من دون أن تنجح في إنهاء أسبابها العميقة لذا لم يكن تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981 رغبة في تحقيق التكامل السياسي والاقتصادي بين دول الخليج في سياق طبيعي بل جاء في الأساس استجابة لبيئة أمنية متغيرة كان أبرز معالمها صعود إيران الثورية واندلاع الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت نحو ثمانية أعوام وقد دعمت دول الخليج العراق آنذاك ماليا وسياسيا بهدف احتواء التوسع الإيراني ومنع انتقال الحرب إلى المجال الخليجي ونجحت في هذا إلى حد كبير حاولت طهران في الثمانينيات توسيع نفوذها في الخليج عبر شبكات سياسية وأمنية مرتبطة بـالحرس الثوري الإيراني الأمر الذي أدى إلى سلسلة من الأزمات الأمنية في عدة دول خليجية بما في ذلك الكويت والسعودية والبحرين وقد رسخت هذه الأحداث قناعة لدى العواصم الخليجية بأن إيران لا تتعامل مع الخليج بوصفه فضاء للتعاون الإقليمي بل ساحة نفوذ وصراع غير أن نهاية الحرب الباردة وتراجع العراق بعد حرب الخليج الثانية سمحا لإيران بإعادة تموضعها الاستراتيجي فبدلا من التركيز على الخليج فقط وسعت طهران شبكة نفوذها في المشرق العربي عبر تحالفها مع النظام السوري بقيادة حافظ الأسد ومن خلال دعمها المتزايد لحزب الله في لبنان وفصائل فلسطينية في مقدمها حركتا الجهاد الإسلامي وحماس وقد تعزز هذا المسار بعد سقوط بغداد عام 2003 حيث فتح الفراغ الجيوسياسي في العراق المجال أمام إيران لتعزيز حضورها السياسي والعسكري في غياب استراتيجية خليجية لملء الفراغ في العراق وبناء مشروع قادر على منافسة المشروع الإيراني فيه التنافس بين القوى الإقليمية الكبرى سواء إيران أو إسرائيل أو تركيا يضع دول الخليج أمام بيئة أمنية شديدة التعقيد قد تتحول فيها أراضيها أو مجالها الحيوي إلى ساحة صراع غير مباشر بلغ النفوذ الإيراني مستوى غير مسبوق خلال العقد الماضي خصوصا بعد صعود تنظيم الدولة الإسلامية داعش عام 2014 إذ نجحت طهران في تقديم نفسها شريكا ضروريا في مواجهة تنظيم داعش بالتنسيق الأمني مع الولايات المتحدة إضافة إلى اصطفافها السياسي والعسكري مع النظام السابق في سورية بوصفها ساحة نفوذ لا يمكن التخلي عنها وهو ما كانت له تداعيات أمنية وسياسية على دول الخليج كما ساعد توقيع الاتفاق النووي الإيراني خلال إدارة باراك أوباما 2009 2017 في تعزيز شعور لدى دول الخليج بأن ميزان القوى الإقليمي بدأ يميل لصالح إيران ما دفع بعض هذه الدول إلى تبني سياسات أكثر حزما كما حدث في التدخل العسكري عبر التحالف العربي في اليمن بقيادة السعودية عام 2015 ومع ذلك لم تقتصر التوترات بين إيران ودول الخليج على الدول التي تتخذ مواقف متشددة تجاه طهران فحتى الدول التي حافظت تقليديا على علاقات متوازنة مع إيران مثل قطر وعمان لم تكن بمنأى عن المخاوف الأمنية المرتبطة بالنشاط الإيراني فقد كشفت تقارير أمنية في أوقات مختلفة شبكات مرتبطة بالحرس الثوري في بعض دول الخليج ما يعكس استمرار الأنشطة الاستخباراتية الإيرانية حتى في البيئات السياسية الأكثر انفتاحا على الحوار مع طهران وبناء علاقات متوازنة معها ويظل هذا التناقض بين الخطاب الإيراني الداعي إلى حسن الجوار والأنشطة الأمنية المنسوبة إلى مؤسساتها العسكرية أحد أبرز مصادر القلق لدى دول الخليج فبينما تسعى بعض الدول إلى إدارة العلاقة مع إيران عبر القنوات الدبلوماسية والحوار تبقى الهواجس المرتبطة بالأمن الوطني والاستقرار الداخلي حاضرة بقوة في الحسابات الاستراتيجية الخليجية لا يمكن فصل أمن الخليج عن منظومة الأمن العربي الأوسع فاستقرار هذه المنطقة يرتبط ارتباطا وثيقا بأمن الدول العربية ومصالحها الاستراتيجية لكن التحدي الأكبر الذي يواجه دول الخليج اليوم وفي ظل الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى التي تتخذ شكل كرة الثلج المتدحرجة لا يتمثل فقط في سلوك إيران العدائي واستهداف أراضي بعض الدول الخليجية تحت ذريعة وجود قواعد عسكرية أميركية فيها بل أيضا في التحولات الأوسع في ميزان القوى الإقليمي بما في ذلك صعود النزعة الإسرائيلية نحو ترسيخ تفوقها العسكري ومحاولة فرض معادلات أمنية إقليمية تجعلها القوة المهيمنة في المنطقة فالتنافس بين القوى الإقليمية الكبرى سواء إيران أو إسرائيل أو تركيا يضع دول الخليج أمام بيئة أمنية شديدة التعقيد قد تتحول فيها أراضيها أو مجالها الحيوي إلى ساحة صراع غير مباشر ومن ثم ليس التحدي الحقيقي فقط في إدارة التوترات مع هذه القوى بل في قدرة دول الخليج على بناء منظومة أمنية مشتركة قادرة على مواجهة التحديات الجديدة فعلى الرغم من مرور أكثر من أربعة عقود على تأسيس مجلس التعاون الخليجي لا يزال مستوى التكامل الدفاعي والأمني دون الطموحات المعلنة ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال بالتكامل الدفاعي الخليجي من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى السياسات العملية القابلة للتنفيذ ويعني ذلك تطوير منظومات دفاع جوي وصاروخي مشتركة وتعزيز التكامل الاستخباراتي وتنسيق السياسات السيبرانية والأمنية إضافة إلى بناء صناعات دفاعية مشتركة تقلل الاعتماد على الولايات المتحدة بشكل أساس مظلة أمنية ومزودا رئيسا للقدرات العسكرية لدول الخليج بما يعزز قدرة دول الخليج على حماية أمنها واستقلال قرارها في بيئة إقليمية تتزايد فيها مشاريع الهيمنة والنفوذ في الختام لا يمكن فصل أمن الخليج عن منظومة الأمن العربي الأوسع فاستقرار هذه المنطقة يرتبط ارتباطا وثيقا بأمن الدول العربية ومصالحها الاستراتيجية وهو ما يستدعي الانتقال من مجرد إدراك مشترك للمخاطر إلى بناء تنسيق عربي فعال يترجم هذا الإدراك إلى سياسات عملية ومؤسسات تعاون حقيقية تضم دولا محورية مثل العراق وسورية ومصر والجزائر إلى جانب دول الخليج فالتجربة التاريخية في إدارة العلاقة مع إيران وغيرها من القوى الإقليمية والدولية تظهر أن التهديدات لا تتراجع بمجرد احتوائها دبلوماسيا بل تتطلب بناء بنية أمنية عربية قادرة على الردع والاستقرار والاستجابة الجماعية للأزمات في عالم يتسم بتعقيد متزايد وتنافس جيوسياسي متصاعد ومن هنا يكون التكامل العسكري والأمني ضرورة خليجية ملحة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح